قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون


المعنى العام الآيات (31 ـ 38)

(ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) .
وفي هذه الآية يتحدّث القرآن عن ثلاث قضايا أساسية وخطيرة في مسيرة الدعوة والإنسان .. وهي : الاختبار ، الجهاد ، والصبر .. إنّ من أبرز مظاهر الاختبار هو الجهاد والصبر على ما يلاقي الإنسان من أذى وشدّة في اداء الواجبات ، ومقاومة الظلم والفساد ، وتحمّل أعباء الدعوة، والتضحية بالنفس والمال من أجل الحق ، وفي الفقرة السابقة : (والله يعلم أعمالكم ) .. أوضح تلك الحقيقة للانسان ، غير أن الاختبار جاء لكشف حقيقة الإنسان للإنسان نفسه ، حجّة عليه ، وليس لله ، فهو العالم بكل شيء ، وعلمه أزلي قديم ..
وليبلو الله أخباركم، أي يختبر ويمتحن أعمالكم.. فالاخبار تنبئ عن الأعمال.. وبالاختبار يستحق الإنسان الجزاء، كما تسقط حجّته التي قد يحتجّ بها قبل الاختبار على الله والناس .
* * *
)إنّ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبيّن لهم الهدى لن يضرّوا الله شيئاً وسيحبط الله أعمالهم ) .
ويتحدّث القرآن عن الذين كفروا برسالة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من بعد ما عرفوها ، وتبيّن لهم طريق الهدى ومعالم الايمان ، وقامت الحجّة عليهم .. إنّ هؤلاء الذي كفروا ويعملون على صدّ الناس عن الهدى بكل ما يملكون من قوة ومال وسلطة ، وهم قادة الشرك والضلال في مكة ، الذين يرفعون راية المعاداة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لن يضرّوا الله شيئاً ، وسيبطل الله كل تلك الأعمال التي يمارسونها ضدّ الرسول والدعوة ، وسوف لن يوقفوا مسيرة النور ، وقوافل النصر المتقدِّمة بإذن الله : (ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره المشركون ) .
وبعد أن وصف أوضاع الكفّار والمنافقين والمرتدين الذين عصوا الله سبحانه والرسول وعادوه.. خاطب المؤمنين بطاعة الله والرسول ونهاهم عمّا يبطل الأعمال من النفاق والرياء والعجب والمنِّ بالعمل .. قال : (يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولاتبطلوا أعمالكم ) .
وهي دعوة إلى الاخلاص في الطاعة والقصد ، وسلامة الاتجاه .
في هذه الآية يوضح القرآن حدود المغفرة والعفو الإلهي ، ويبيِّن لنا إنّ الذين يموتون على الكفر ويعملون على صدِّ الناس عن الهدى والايمان ، فلن يغفر الله لهم ، ولن يعفو عنهم (إنّ الّذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله وماتوا وهم كفّار فلن يغفر الله لهم ) ، كما تستبطن هذه الآية ايحاء للمؤمنين مفاده : إنّكم إن فعلتم ما يسخط الله ، ويبطل أعمالكم فستحرمون من المغفرة ، كما حرم منها أولئك الذين ماتوا وهم كفّار كارهون لما أنزل الله .. فهي تحذير وتوعية ..
* * *
)فلا تهنوا وتدعوا إلى السَّلم وأنتم الأعلون ... ) .
إنّ من أفدح المخاطر أن يخطئ المؤمنون تقييم أنفسهم ، وتقدير قوّتهم المواجهة للعدو في حالة الصراع والمواجهة ، ويستولي عليهم الشعور بالضعف والوهن ، وهم أقوياء قادرون على صدّ العدوّ والخصم والانتصار عليه ، فيدعون إلى مهادنة العدوّ فيخسرون الجولة التي توفّرت لهم فيها أسباب النصر وإمكانية النجاح .. ربّما تتكوّن تلك القناعة من إحساس ذاتي بالضعف وهزيمة نفسية ، وربّما تكونت تلك الصورة بفعل الايحاء الدعائي المضاد ، أو ربّما حدثت بفعل المخربين المندسِّين .. والقرآن يحذِّر من كل ذلك ، وينهى المؤمنين عن الوقوع فيه ، وينادي بالقوّة ، وتعبئة الروح المعنوية العالية ، فإنّها أهم أدوات النصر ، وأكثرها فاعلية في المعارك جميعها .. لا تهنوا ولا تضعفوا فانّ الله معكم ، انّه ناصركم ، وما النصر إلاّ من عند الله .. إنّ الله لن يَتِركم أعمالكم .. لن يضيّع شيئاً من أعمالكم وجهادكم وتضحياتكم ، وستوفّى إليكم كاملة غير منقوصة .. فواصلوا الدعوة والجهاد ، ومقاومة الطاغوت والفساد ..
(إنّما الحياة الدنيا لعب ولهو ... ) .
ثم يواصل القرآن خطابه للمؤمنين بالتعريف بحقيقة الحياة الدنيا ، فيكشف لهم انّها لعب ولهو، وسائرة نحو الانقضاء والانتهاء ، فهي محدودة الأمد ، فلا تغرنّكم ولا تخدعنكم ببريقها فتركنوا إليها ، وتتركوا الدعوة والجهاد والاستجابة لله وللرسول الذي يدعوكم لما يحييكم حياة طيبة ..
إن تؤمنـوا الإيمان الحق ، وتتقوا الله حق تقاته ، يوف إليكم أعمالكم ويجزكم أجر المحسنين ، ولن يطلب منكم أموالكم مقابل تلك الدعوة ..
بل يدعوكم لينقذكم من الظلمات إلى النـور من غير أجر مادي ، بل سيكون لكم الأجر على الاستجابة والتقوى .. إنّ الله لم يطلب منكم مالاً يجهدكم به ويثقل عليكم ، بل طلب منكم الشيء اليسـير وهو زكاة مالكم ، والانفاق اليسـير الذي يوفّى إليكم يوم الحساب .. إنّ الله لن يطلب منكم كل أموالكم فيحفكم (فيثقل عليكم) فتبخلوا .. انّه لم يطلب منكم ، ولن يلح عليهم ذلك الالحاح في الطلب ، فيؤدِّي إلى الأضغان ، وهي الأحقاد .. فتخرج وتظهر ، وتلك علامة سيّئة ، لذا فقد رؤف الله بكم وخفّف عنكم ، ليسهِّل عليكم الطاعة ، ويطهر نفوسكم .. إنّ هذه الآية ، والاُخرى التي تليها ، والتي ختمت بها السورة تكشف لنا مسألة الارتباط النفسي بين الإنسان والمال .. والبخل الذي تعبِّر عنه الآية ، وإخراج الأضغان .. إنّ هذه التعابير تكشف عن المشكلة النفسية عند الإنسان تجاه المال ، لذا كانت مشكلة المال من أعقد مشاكل الحياة ، وحق أن تلخص مشاكل الإنسان الكبرى في ثلاث : المال والجنس والسلطة ..
ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله .. ها أنتم توضعون أمام الاختبار بالدعوة الموجهة إليكم .. انّكم مدعوّون للانفاق في سبيل الله .. والآية : (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا ... ) تفتتح بـ : (ها) .. و (ها) تستعملها العرب للتنبيه ، ثم يكرر القرآن التنبيه بـ : (ها) بقوله (هؤلاء) فيخاطبهم بقوله : (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا ... ) .
ها نحن ندعوكم الآن للنفقة في سبيل الله ، فمنكم من يبخل ومنكم من ينفق ، ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه .. انّه يمنع عنها الخير ، ويحملها تبعات المنع يوم الحساب .. انكم انتم الفقراء إلى الله .. إلى ثوابه وعفوه وعطائه ، والله هو الغني ، إنما هو الاختبار والابتلاء بالجهاد والصبر والمال والطاعة ، فان تولّيتم وأعرضتم عن تلك الدعوة ، ولم تجاهدوا ولم تنفقوا في سبيل الله ، في مجالات الخير والإصلاح ، والدفاع عن الدعوة والمبادئ ونشرها .. فسيجري عليكم قانون الاستبدال ، ويأتي الله بقوم آخرين يختلفون عنكم .. انّهم سيحملون هذه الدعوة ويجاهدون في سبيل الله ، وينفقون راغبين في النفقة والثواب .
والقرآن تحدّث في قانون الاستبدال التأريخي ، وتغيير المواقع في آية أخرى فقال : (يا أيّها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء والله واسع عليم ) المائدة / 54 .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com