قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون


المعنى العام الآيات (1 ـ 7)

إفتتح الله سبحانه هذه السورة المباركة بالبشرى بالفتح لنبيه الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال له: (إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ) .
وفتحُ الله لنبيِّه المشار إليه في هذه الآية هو تحقّق النصر للدعوة والرسالة بدخول الناس في دين الله أفواجاً ، وفتح مكة فتحاً سلمياً من غير قتال ، وكل ذلك كان نتيجة لصلح الحديبية ..
فقد كان من جملة ما اتفق عليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع المشركين في صلح الحديبية هو أن لا تمنع قريش مَن أراد الدخول في عهد وميثاق مع النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
والآية تشـير إلى بداية مرحلة جديدة في مسار الدعـوة ، ونقلة نوعية في طبيعة الأحداث والمواقف والمواجهة لصالح الدعوة .. لقد بدأ الفتح وانطوت مرحلة الانغلاق على الإسلام .. إنّها الحقيقة التي أشارت إليها سورة النصر فيما بعد : (إذا جاء نصر الله والفتح . ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً . فسبِّح بحمد ربِّك واسـتغفره إنّه كان توّابا ) .
لقد انفتحت القلوب والعقول والبلاد والآفاق على الدعوة .. وهكذا كانت النتائج، وما هي إلاّ فترة وجيزة ، تمتد من أواخر العام السادس من الهجرة الذي وُقِّعت فيه اتفاقية صلح الحديبية ، وحتى نهاية شهر رمضان من السنة الثامنة ، وتحقق في هذه الفترة فتح مكة .. وبفتح مكة دُحِرَت أقوى قلاع الطاغوت في الجزيرة ، وقبلها في السنة السابعة ، بعد صلح الحديبية، كان فتح خيبر أقوى قلاع اليهود.. لقد انهارت قلاع اليهود في المدينة، وقلاع الشرك في مكة .. فكانت تلك الفتوحات العسكرية الكبرى وانتشار الإسلام ، هي من أبرز مصاديق ما بُشِّر به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآية من الفتح .
ثم يعلِّل القرآن هذه الفتـوحات بقوله : (ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك الله نصراً عزيزاً ) .
فاللاّم الواردة في قوله تعالى : (ليغفر لك الله ... ) هي لام التعليل ، وبذا تكون من بركات الفتح ونتائجه المغفرة ، وإتمام النعمة والهداية والنصر العزيز .
وبعد أن تحدّث القرآن عن الفتح ، وما ارتبط به انتقل إلى الحديث عن السكينة التي أنزلها الله على المؤمنين بهذا الصلح والطمأنينة والاستقرار النفسي الذي ملأ نفوسهم ، وهم يواجهون تحدِّيات الطاغوت في تلك المنطقـة .. منطقة الحديبية يوم دعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى البيعة على الوقوف معه لمواجهة قريش التي تهيأت للقتال ..
إنّ هذه السـكينة التي ملأت النفوس ، وعمّقت المعنويات ، كانت أساساً في زيادة الإيمان بالعقيدة والمواقف ، ومتابعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).. فالنفوس المستقرّة ، والقلوب المطمئنّة بقضيّة ، تكون مهيّأة للإيمان بتلك القضيّة أكثر من النفوس القلقة المضطربة الخائفة .
ثم يلفت القرآن الأنظار إلى أنّ الله سبحانه قادر على تنفيذ ما يريد ، وتحقيق النصر على أولئك الطـغاة ، فكل القوى المدمِّرة مجـنّدة وخاضعة لإرادتـه ، ولكنّه دعاكم إلى مواجهتهم ليثيبكم ويجزيكم بالجنة والنعيم ، ويكفِّر عنكم سيِّئاتكم ، ويعذِّب المنافقين على نفاقهم ومواقفهم المضادّة للحق .
ويختم الآيات بالتعريف بأنّ الله الذي قضى ذلك الصلح وإنزال السكينة وإتمام النعمة على المؤمنين، هو عليم بما حدث وسيحدث من مستقبل الاُمور، ومسار الأحداث الخافية عليكم .. إنّ الذي جرى في الحديبية هو لصالحكم .. فانّ الله عليم حكيم .. يضع الأشياء في مواضعها بعلمه وحكمته ..
ومِن نعم الله على المؤمنين أن أنزل السكينة عليهم، وازدادوا إيماناً في العقيدة والمواقف ، ليكفِّر عنهم سيئاتهم ، ويدخلهم الجنان والنعيم الخالد .. إنّ هذا هو الفوز العظيم عند الله ، إنّه أعظم نعمة من النصر العسكري والتغلّب على العدو ..
* * *
)ويُعذِّب المنافقين والمشركين والمشركات الظانِّين بالله ظنّ السّوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم جهنّم وساءت مصيراً ) .
ويسترسل القرآن في بيان ما ترتّب على الفتح من نتائج : المغفرة، وإتمام النعمة، والهداية إلى الصراط المستقيم، والنصر، وإدخال المؤمنين الجنان، وتعذيب المنافقين في الدنيا والآخرة، أولئك الذين ظنّوا أنّ النصر لن يتحقّق للرسول ، ولن يعود إلى مكة ولن يدخلها .
إنّ أولئك المنافقين الذين يظهرون الإسلام ، ويُبطنون الكفر والعداء ، تلك الشخصيات المزدوجة التي تظهر شيئاً ، وتخفي آخر ضدّه ، هم الخطر الكبير على مسار الدعوة ; لذا يكشفهم القرآن في هذا الموقف ويوضِّح أنّ عليهم غضب الله ولعنه ، ولهم العذاب .. انّهم سيعذّبون عذاباً نفسياً في الدنيا عندما يشاهدون النصر للمؤمنين، وقد دارت دائرة السوء عليهم، وهي الهزيمة والاهانة والغضب الإلهي ، كما سيعذّبون في عالم الجزاء والخلود ، ليعلم أولئك الشاكّون بالنصر ، أنّ لله جنود السماوات والأرض .. إنّ كل قوى الوجود خاضعة لإرادته ، وانّه قادر على إنزال الانتقام وتحقيق النصر بما يشاء ، وهو العزيز الذي لا يُقهَر ، والحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها .. هو حكيم في قضائه وقدره وما يفعل بالعباد ..
* * *
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (8 )لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (9 ) إِنَّ ا لَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَن أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10 ) .
شرح المفردات الآيات ( 8 ـ 10 )
وتُعزِّروه : تنصروه ; تنصروا النبيّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وتوقِّروه : تعظِّموه وتبجِّلوه .
سبِّحوه بُكرة وأصيلا : البُكر : الوقت الممـتد من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس .. والأصيل : الوقت الممـتد من اصفرار الشمس حتى غروبها ، والمعنى : سبِّحوا الله في الليل والنهار ، أي في كل حين .
فمَن نكث : فمَن نقض العهد .
المعنى العام الآيات (8 ـ 10)
ثمّ يعود القرآن لمخاطبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: (إنّا أرسلناك شاهداً ومُبشِّراً ونذيرا ).
يعود لمخاطبته (صلى الله عليه وآله وسلم) كما افتتح السورة بمخاطبته : (إنّا فتحنا لك فتحاً مُبيناً ) .
يا أيّها الرسول انّك تحمل إلى البشرية الرسالة ; لتكون شاهداً على الناس يوم الحساب بأنك بلّغت ونصحت وبينت ودعوت بالحكمة والموعظة الحسنة ، فكان الناس فريقين : فريقاً استجاب وآمن وفريقاً تولّى وكفر ، انك تحمل إليهم البشرى بالهدى والانقاذ من الظلم والطغيان والضلال ، وتبشِّرهم بالنعيم وحسن الثواب ..
انّك تبشِّرهم بحياة طيِّبة هانئة في ظل العدل والأمن والرخاء وكرامة الانسان ، كما تبشِّرهم بالنعيم والجنان يوم الجزاء .. وانّك لتنذر المعرضين عن رسـالة الهدى ومنهج الحق بالعقاب والعذاب وبضنك العيش وتسلّط الطّغاة والبؤس والشّقاء ..
وبعد أن بيّن مهمّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بأ نّه الشاهد والمبشِّر والنذير ، أوضح أنّ الغرض من البعثة والرسـالة هو دعوة الناس ، ليؤمنـوا بالله ورسوله ، وبما جاء به من الهدى ، ويناصروه على هذه الدعـوة ويحملوها ، ويعظِّموه على ما يقوم به من مهمّة عظيمة وجليلة ، وهي مهمّة انقاذ البشريّة وإخراجها من الظلمات إلى النور ، لتنزِّهوا الله سبحانه من الشرك والظلم ، ومن مشابهة الخلق وإقامة الصلاة له في الغداة والعشي ..
وينتقل القرآن من مخاطبة المؤمنين ودعوتهم إلى مؤازرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتعظيمه والاتجاه إلى الله سبحانه بالصلاة والتسبيح .. ينتقل إلى مخاطبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) متحدِّثاً عن المؤمنين الذين بايعوه وعاهدوه على المضي في طريق ذات الشوكة في الحديبية ، وهي بيعة الرضوان ، ومؤكِّداً أنّ هذه البيعة هي لله .. ذلك لأنّ الرسول يدعو إلى توحيد الله وعبادته والسير وفق نهجه القويم ..
إنّ يد الله فوق أيديهم ، انّ قوته ونصرته فوق نصرة المؤمنين وقوّتهم .. وهو رقيب عليهم في هذه البيعة ، فمَن ينكث منهم ، ويتراجع عن هذا العهد والميثاق إنّما يضرّ نفسه ، فنصر الله وقوته فوق قوتهم .. أمّا الذين يوفون بما عاهدوا الله عليه من نصرة وبيعة لك يا محمّد ، فسيؤتيهم الله أجراً عظيماً .
* * *

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com