قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون


المعنى العام الآيات (11 ـ 15)

في موارد عديدة من آياته الكريمة تحدّث القرآن عن الأعراب كظاهرة وحالة مرَضية في بنية المجتمع الإسلامي ، تقوم على أساس الجهل وضعف الإيمان والنفعية والنفاق .. وظاهرة الأعراب هي ظاهرة اجتماعية متكررة في المجتمع ، ولم تنته كظاهرة متقوِّمة بعناصرها النفسية والفكرية تلك بعهد البداوة ، وسكّان البوادي .. ولخطورة هذه الظاهرة تحدّث القرآن عنها في موارد عديدة ، منها : (قالت الأعراب آمنّا قُل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم ) .
ومنها قوله تعالى : (الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً ) .
وفي سورة الفتح ينقل القرآن مقالة الأعراب الذين تخلّفوا عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، عندما دعاهم للخروج معه إلى مكة لأداء العمرة .. وكان ذلك كما مرّ علينا في ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة ..
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد دعا قبائل غفار وأسلم ومُزينة وجُهينة وأشجع والدئل ، وهم قبائل الأعراب المقيمة حول المدينة .. دعاهم للخروج معه إلى العمرة ، مخافة أن تعترض قريش طريقه فتجرّهم إلى القتال .. فلم يستجيبوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتخلفوا عنه .. ولأهمية هذا الموقـف وتلك الظاهرة سجلها القرآن .. وأخبر الله نبيّـه (صلى الله عليه وآله وسلم) بما سيقوله له هؤلاء الأعراب بعد عودته من الحديبية التي نصره الله فيها ، أخبره بأنّك إذا عاتبتهم يا محمّد على تخلّفهم فسيقولون لك : (شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ... ) .
انّهم كاذبون : (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) .
ليس الأمر كذلك، بل ظنّوا انّكم ستدخلون مواجهة مسلّحة مع قريش ، وستخسرون المعركة ; لذا تخلّفوا عنكم .. تلك هي الحقيقة ، وليس ما اعتذروا به من انشغالهم بأموالهم وأهليهم .. إنّهم يخادعونك بطلب العفو والمغفرة .. قل لهم يا محمّد لا أحد يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضرّاً أو نفعاً .. فالأمر لله .. إن أراد أن يعذِّبكم أو أراد أن يهبكم الغنيمة ، إنّ الله خبير بحقيقتكم، ولايخفى عليه شيء من أعمالكم : (بل كان الله بما تعملون خبيراً ) .
وفي ذلك إشعار لهم بأنّهم غير صادقين فيما يقولون ..
إنّهم ظنّوا أن لن يعود الرسول والذين معه إلى المدينة سالمين .. لقد زيّن الشيطان لكم ذلك الظن السيِّئ ; لذا تخلّفتم عن الخروج مع الرسول إلى مكة ، خوفاً من القتال وطلباً للسلامة .. وتلك طبيعة المنافقين المنتفعين ..
(وكنتم قوماً بوراً ) .
إنّكم هالكون بتلك النوايا والدوافع السيئة ، لقد كنتم بذلك قوماً كاسدين ، لا قيمة لكم ولا اعتبار .. إنّ الله اعد للكافرين عذاب السعير ، وسينالكم ذلك العذاب .
* * *
)ولله ملك السّموات والأرض يغفر لمَن يشاء ويُعذِّب مَن يشاء وكانَ الله غفوراً رحيماً ) .
وبهذه الآية يُقرِّر القرآن حقيقة عامّة تنطبق على هذا الصنف من المنافقين المستبطنين للكفر ، وعلى أمثالهم ممّن لم يؤمنوا بالله ورسوله ، وهي العذاب والسعير في عالم الآخرة ..
ثم يعود القرآن إلى ما قدّمه من ردٍّ على المنافقين ، حين يطلبون الاستغفار من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويقرِّر حقيقة كبرى ، وهي أنّ الله وحده هو الذي يملك العفو والمغفرة .. ففي هذه الآية يعود فيوضِّح انّ الملك لله ، وله الخلق والأمر ، وهو سبحانه يغفر لمن يشاء ويُعذِّب مَن يشاء ، وتلك المشيئة قائمة على أساس العلم والحكمة والعدل .. فلا يُعذَّب إلاّ مستحق العذاب ، ويشمل برحمته ومغفرته المسيئين ..
والوحي في هذه الآية بقوله : (وكان الله غفوراً رحيما ) يشعر المتلقي لهذا الخطاب أنّ مغفرة الله ورحمته تسبق عذابه ، وهو يتعامل مع الخلق بالرحمة والمغفرة أكثر ممّا يؤاخذهم بذنوبهم .. وضّح هذه الحقيقة بقوله : (قال عذابي أصيب به مَن أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للّذين يتّقون ويؤتون الزّكاة والّذين هم بآياتنا يؤمنون )الأعراف/ 156 .
إنّ هؤلاء الاعراب يبحثون عن المغانم والمكاسب المادية ، وعندما يرون النصر وتغيير الرأي العام باتجاه الدعوة ، وحصول الفتح والمغانم ، سيقولون لكم دعونا نتّبعكم لنشارككم في الغنائم ..
لقد قضى الله يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنّ هؤلاء المخلّفين لا يستحقون الحصول على شيء من المغانم التي كانت نتيجة لفتح الحديبية ، فلا يستحقّها إلاّ مَن حضر الحديبية ، وصدق في الموقف الصّعب .. ذلك بأنّهم تخلّفوا عنك ، ولن يبدِّل الله هذا الحكم .. طلب أولئك المخلّفون من الرسول في غزوة خيبر التي وقعت بعد عام تقريباً من صلح الحديبية أن يشركهم ، ويسهمهم من تلك الغنائم ، بعد أن رأوا نصر الدعوة ، وتزايد قوّة المسلمين ، والصلح مع قريش ، وتجميد جبهة القتال معها ..
ثم يكشف القرآن ما يختبئ في النفوس من ظن السوء والجهل بقوله : (فسيقولون بل تحسدوننا ) ..
سـيقولون ذلك حين ترفض الاسـتجابة لهم .. سـيقولون لكم ان الله لم يمنعنا من المشاركة ولم يحرمنا من الغنائم، ولم يخصِّصها استحقاقاً لأهل الحديبية ، إنمّا أنتم تحسدوننا، لا يروق لكم أن تشركونا .. انّ الأمر ليس كما يقول المخلفون : (بل تحسـدوننا ) .. إنّما الحقيقة : (بل كانوا لا يفقهون إلاّ قليلاً ) ..
إنّ ضـحالة معرفتهم ، وقلّة فهمهم للحقائق التي تدعـوهم إليها يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، هو الذي يدعوهم إلى هذا القول .
* * *

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com