قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون


المعنى العام (الآيات 18 ـ 23)

(لقد رَضيَ الله عن المؤمنين الّذين يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً ... ) .
وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن الأعراب، والظاهرة الأعرابية.. ظاهرة النفاق والمصالح ، وازدواج الشخصية ، انتقل إلى الحديث عن المؤمنين الصادقين في القصد والقول والعمل .. إنّه يتحدّث عن بيعة الرضوان .. عن بيعة المؤمنين في الحديبية للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على الصبر والثبات والجهاد ، وردع المشركين .
والآية تجسِّد صورة البيعة ، وترسمها بخطوطها ومعالمها الحسية والمعنوية .. فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان جالساً في أصل الشجرة ، واسمها (سمرة) وكما تقول روايات السيرة ، كان أحد أغصانها يتدلّى على ظهره (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال عبدالله بن معقـل : (وكنت قائماً على رأسه )وبيدي غصن من الشـجرة أذبّ عنه ، فرفعت الغصن عن ظهره ، فبايعوه على الموت دونه ، وعلى ألاّ يفرّوا ، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أنتم اليوم خير أهل الأرض» (11) .
إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يجلس في مقصورة ، ولا في حصن ، ولم يحطه الحرس والحراب ، بل جلس تحت الشجرة ، وتتابع المؤمنون الذين كانوا معه لبيعته ، وهم يومذاك مئات ، يُقدّرون بألف وأربعمائة ، أو الف وخمسمائة رجل .. وكان حقاً على الله ، وهو سبحانه يعلم ما في ضمائرهم من صدق وإخلاص ، كان حقّاً عليه أن ينزل السكينة عليهم ، ويحقِّق لهم النصر والفتح والمغانم .. وصدق الله وعده ، فقد انتصر المسلمون ، وفتحوا خيبر ومكة ، وحقّقوا النصر على هوازن وثقيف ، وغنموا من خيبر وهوازن وثقيف مغانم كثيرة على مدى السنين المتعاقبة بعد صلح الحديبية .
* * *
)وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجّل لكم هذه وكفّ أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً ) .
ويتواصل التعريف بالفتح والبشرى للمؤمنين، فيعدهم الله بمزيد من الفتوحات والنصر والمغانم .. ليفتح أمامهم أفق التأريخ وآفاق الأرض ، على امتداد الأجيال ان هم صدقوا الله ، كما صدق أهل بيعة الرضوان .
ليمتد الأمل ، وتتسامى الروح المعنوية ، وتترسّخ الثقة بالله وبقدرة الاُمّة المسلمة على حمل الدعوة .. وإنّ أولى مصاديق هذا الوعد ما عجّله الله من فتح خيبر ، وما فيها من مغانم كثيرة ، ونصر على قاعدة من أعتى قواعد المقاومة في الجزيرة بعد قريش .. وفتح خيبر هو المقصود بقوله تعالى: (فعجّل لكم هذه ) ، إذ فتحت خيبر بعد صلح الحديبية ..
ثم يذكِّر الله المؤمنين بفضله عليهم ، ونصرته لهم بالحرب والصلح ، وبالكفِّ عنهم ، فهو الذي كفّ أيدي حلفاء اليهود ، وهم قبيلتا أسد وغطفان ، من الإغارة على المدينة ، عندما كان الرسول والمؤمنون في غزوة خيبر ، وكانت المدينة مكشوفة أمامهم ، وقد فكّروا بغزوها ، فألقى الله الرّعب والخوف في نفوسهم ، فتراجعوا عن ذلك ..
ليكن تحقّق الوعد بالنصر والغنائم دليلاً للمؤمنين، وآية على صدقك يا محمّد ، ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم وهداية واستقامة .
(واُخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء مُقتدراً ) .
وفي هذه الآية يعد القرآن المسلمين بغنائم اُخرى ، لم يقدروا على الحصول عليها في وقت نزول هذه الآية ، قد احاط الله بها بقدرته ، فهو القادر عليها .. وقيل هي غنائم هوازن ، وقيل المقصود بها غنائم فارس والروم .. وذهب بعض المفسِّرين إلى أنّ المقصود بالاُخرى التي لم يقدروا عليها هو فتح مكة ..
إذ لم يكن المسلمون بقادرين على فتحها يوم نزول هذه الآية ، فأخبرهم الله انّه محيط بقدرته بأولئك المشركين ، وقادر على تحقيق الفتح ، وسيفتح لكم هذه البلاد ، إنّه على كل شىء قدير .
* * *

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com