قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون


المعنى العام الآيات (24 ـ 25)

(ولو قاتلكم الّذين كفروا لَولّوا الأدبار ... ) .
ويتواصل حديث القرآن عن أحداث الحديبية، والفتح والمستقبل ، فيؤكِّد للمؤمنين انّ أعداء الله والانسان أولئك الكافرون لو قاتلوكم في الحديبية ، ولم يصالحوكم لنصركم الله عليهم، ولولّوا الأدبار، ولم يكن لهم من ناصر ينصرهم ولهزموا وفرّوا خائبين خاسرين .. وتلك سنّة الله ، انّه القانون الحكيم في مسار الصراع بين الحق والباطل ، أن ينصر الله رسله والذين آمنوا معهم .. ولن تُبدّل تلك السنن والقوانين .. كفّ أيديهم عنكم ، وكفّ أيديكم عنهم فلم تقع حرب ولا قتال، وقد تحقّق ذلك النصر ببطن مكة، أي في الحديبية(12)، وحقّق لكم الفتح ومن غير قتال ، حققه عن طريق الصلح والمعاهدة .. إنّ وسائل تحقيق أهداف الدعوة كثيرة ، فقد تُحقِّق تلك الاهداف من غير عنف ولا قتال أو كفاح مسلّح .. فأهدافها تتحقّق عن طريق الفكر والأساليب الفكرية تارة، وعن طريق الصلح والمعاهدات والتفاهم الذي يفسح المجال أمام الفكر والدعوة لتحقِّق أهدافها تارة أخرى .
وقد لا تتحقّق تلك الأهداف إلاّ بالعنف والقوّة إذا كان الخصم والعدو لا يستجيب للفكر والعقل والمنطق ، ولا يصدق في العهـود والمواثيق .. لقد كان هذا الكف بعد أن أظفركم الله عليهم .
قال المفسِّرون في سبب نزول قوله تعالى : (وهو الّذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكّة من بعد أن أظفركم عليهم ... ) :
إنّ المشركين بعثوا أربعين مسلّحاً وقيل ثمانين مسلّحاً إلى معسكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديبية ، أو تسلّلوا من جبل التنعيم للهجوم بغتة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه ، فظفر بهم المسلمون ، وأسروهم وجاؤوا بهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فعفا عنهم .. فأنزل الله هذه الآية .
ثم يختم القرآن هذه الآية بقوله : (وكان الله بما تعملون بصيراً ) لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وأعمالكم، وإنّه عالم بحقيقة كل ذلك، وقد أجرى الأمور وفق الحكمة والمصلحة..
* * *
)هم الّذين كفروا وصدّوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محلّه ... ) .
إنّ هؤلاء الذين كفّ الله أيديهم عنكم ، وأيديكم عنهم ، وحقّق لكم الفتح عليهم من غير قتال ، هم الذين كفروا برسالة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومنعوكم من دخول مكة ، وأداء العمرة .. وهديكم محبوساً ، ممنوعاً من أن تصلوا به إلى محل ذبحه ، وهو مكة ، فانّ هدي العُمرة يُذبح في مكة ، وهدي الحج يذبح في مِنى ، ممّا دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ان يذبح ذلك الهدي، وهو سبعون بدنة، بعد الصلح في الحديبية.
(ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطأوهم فتصيبكم منهم معرَّة بغير علم ... ) .
لقد كفّ الله الأيدي عن القتال حفظاً على أولئك المؤمنين الذين لا تعرفونهم والمقيمين في مكة ، والمختفين بين المشركين حفظاً من وقوع الضرر عليهم لتكتمهم على إسلامهم وعدم تميّزهم من المشركين ، ولولا الخوف من أن تصيبوهم بضرر عند نشوب القتال بينكم وبين المشركين ، كالقتل وغيره ، لما كفّ الله الأيدي عن القتال .. ولو وقع ذلك لأصابتكم المعرّة ، لأصابكم ما تكرهون من الإثم والحرج والضّرر بسبب ما توقعونه في أولئك المسلمين لعدم علمكم بهم ، من القتل والإضرار .. وتلك رحمة الله أن كفّ الأيدي عن القتال ، وحفظ أولئك المسلمين المنتشرين في مكة ، بشكل غير متميِّز ، من ضرر الحرب وحَفِظَكم من تحمّل مسؤوليات ما يلحق بهم وممّا تكرهون .
(لو تزيّلوا لعذّبنا الّذين كفروا منهم عذاباً اليما ) .
ويسترسل القرآن في بيانه ليوضِّح أنّ اسباب الكفّ عن القتال هو حرمة المؤمنين لاختلاطهم بالكافرين في مكة ، وعدم تميّز بعضهم عن بعض ، (ولو تزيّلوا) أي ولو تفرّقوا ، لو تميّز المؤمنون عن الكافرين لعذب الله الكافرين باطلاق الأيدي بالقتال ، ولأمر بمقاتلة المشركين وتحقيق النصر عليهم بالقوّة ..
(إذ جعل الّذين كفروا في قلوبهم الحميّة حميّة الجاهلية ... ) .
إنّ حميّة الجاهلية المتجسِّدة في العصبية والاستعلاء والاستنكاف ، وروح التحامل والغضب المسعّر عليكم ، هي التي جعلتهم يصدّونكم عن المسجد الحرام ، ويستنكفون عن افتتاح(13) كتاب الصلح بكلمة : بسم الله الرّحمن الرّحيم ، وتثبيت اسم محمّد في المعاهدة مقروناً بالرسالة ، انّهم بهذه الحميّة الجاهلية استحقّوا أن يُعذّبوا بالقتال ، ولكن كفّ الله سبحانه القتال للحفاظ على المسلمين المقيمين في مكة مخافة أن تطأوهم بسوء ..
وإذ جعل أولئك المشركون في قلوبهم حميّة الجاهلية ، جعل الله السكينة ، والاطمئنان والاسـتقرار في نفوس المؤمنين ; وألزمهم كلمة التقوى .. كلمة الإيمان والإسلام .. لقد تفاعلت تلك العقيدة مع نفوسهم وعقولهم ، لا تنفك عنهم ، ولا يفارقون عطاءها وهديها .. وكانوا أهلاً لذلك ; لما حملت نفوسهم من صدق وإخلاص ، لقد حملوها عن جدارة واستحقاق فكانوا أحق بها ..
ثم يعقِّب القرآن على ما ورد آنفاً فيقول : (وكان الله بكلِّ شيء عليماً ) .
لقد علم الله ما حوت نفوس الفريقين وعلم الله عواقب الأمور ، فألزم المؤمنين كلمة التقوى ، وكفّ الأيدي عن القتال لحفظ المسلمين في مكة ، ولتحقق النصر لهم بالصلح ..
* * *

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com