قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون


المعنى العام الآيات (27 ـ 29)

(لقد صدق الله رسوله الرّؤيا بالحقِّ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين مُحلِّقين رؤوسكم ومُقصِّرين لا تخافون ... ) .
ويتحدّث القرآن عن رؤيا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، التي أراها الله له قبل خروجه إلى الحديبية .. فقد رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في منامه: أنه والمؤمنون معه يدخلون المسجد الحرام، ويطوفون في البيت الحرام ، وهم مُقصِّرون ومُحلِّقون(14) شعورهم .. ورؤيا الأنبياء وحي ، فهي رؤياً صادقة.. ومثالها ما أخبر القرآن به عن رؤيا ابراهيم (عليه السلام) ، ورؤيا يوسف (عليه السلام) ، الصادقتين .. كان تحقّق تلك الرؤيا بشرى للمؤمنـين تتلهّف إليها القلوب ، وتهفو إليها النفوس .. وحين حلّوا بالحديبية ، ومنعهم المشركون من دخول مكة وأداء مناسك العمرة ، قال المنافقون : أين الرؤيا التي رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ فأنزل هذه الآية مؤكِّداً صِدق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وصدق الرؤيا وصدق الوعد الإلهي .. أنّ الرسول ، ومَن معه سيدخلون المسجد الحرام ، كما أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، غير أنّ الله سبحانه قد جعل فتحاً قريباً .. وهو صلح الحديبية ، وأخّر دخول المسجد الحرام .. وكان التأخير عاماً واحداً لمصلحة يعلمها الله سبحانه، وأنتم لاتعلمونها، يمكن استشفافها ممّا نزل من بيان قرآني في هذه الأحداث، وهو كفُّ الأيدي عن القتال ، وحماية المسلمين المقيمين في مكة من شرور القتال .. لذا شاء الله أن تدخلوها صلحاً، آمنين جميعاً غير خائفين، أنتم القادمون من المدينة ، ومعكم في الأمن والطمأنينة المسلمون المختفون في مكة .
عُمرة القضاء :
وقد حقّق الله ذلك للمسلمين ، فقد اتفق معهم المشركون على الرجوع هذا العام وهو العام السادس من الهجرة على أن يعودوا العام القادم وهو العام السابع من الهجرة في الشهر ذاته ، وهو ذو القعدة لدخول مكة ، وزيارة البيت الحرام ، وأداء العمرة .. وهكذا فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون معه في ذي القعدة من العام القادم ، فدخلوا مكة ، وأدّوا مناسك العـمرة ، وطافوا في البيت الحرام ، مقصِّرين ومحلِّقين ، آمنين غير خائفين ، كما رآهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وسمِّيت هذه العُمرة بعُمرة القضاء .
ويقول كتاب السير انّ رسول الله أمر أصحابه أن يكشفوا في الإحرام عن مناكبهم ليرى الكفّار قوّتهم وجلدهم ، فيزرع في نفوسهم الرّعب والخوف .. وأقاموا في مكة ثلاثة أيام حسب ما اتفق عليه بين الطرفين ثم عادوا إلى المدينة ، ليكون فتح مكة في العام القادم .
* * *
)هو الّذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليُظهرهُ على الدِّين كلّه ... ) .
وبعد أن عرض القرآن أحداث صلح الحديبية والفتح الذي تحقق به ، وردّ الشبهات التي طرأت للبعض ، وأوضح مواطن الغموض في تلك الأحداث .. تحدّث عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والرسالة وحتمية ظهورها على الأديان كلها وحتمية انتصارها، وبذا أعطى وعداً للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأشهد الله سبحانه نفسه على ما وعد من نصرة الاسلام ، واندحار الكفر ، وذلك من مصاديق الفتح المبين ..
ولا بدّ لدعاة الإسلام وللأمة المسلمة أن يتفهّموا هذه الآية ; ليعرفوا دلالتها من خلال مستقر حركة التأريخ، فيزدادوا ايماناً وثقة بأنّ سفينة البشرية سترسو على شاطئ الإسلام، وسينتهي المسار إلى هذا الدِّين .. وأنّ مستقبل البشرية مرتبط بحركة الدعاة إلى الإسلام ، ووعي البشرية لهذا الدِّين .. وتشهد بوادر كثـيرة أنّ الحضارة المادية الملحدة بدأت بالتفكّك والانهيار، وانّ الإنسان غير المسلم بدأ يشعر بالضياع ، وبالحاجة إلى عقيدة منقذة ، ونهج حياة يخرجه من المأسـاة والظلمات التي أحاطـت به ، رغم ما حـقق من مكاسب علمية في مجال اكتشاف العلوم والتقنية والمعارف المختلفة ، فهي لم تزده إلاّ معاناة ومآس وكوارث مروِّعة، وكما يشهد الله سبحانه بالدِّين الحق ، وبرسالة محمّد وانتصارها ، يتقدّم العلم شاهداً وظهيراً للايمان ، ومؤيداً للدعوة إلى الإسلام .
(محمّد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تراهم رُكّعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يُعجِبُ الزرّاع ليغيظ بهم الكفّار ).
وبعد أن تحدّث الوحي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والرسالة ، تحول إلى الحديث عن الرسول وأصحابه ، مُؤثراً ان يورد إسمه الصريح المبارك، أورده بقوله: محمد رسول الله.. وكأنه ردّ على المشركين الذين رفضوا ان يكتب اسمه مقروناً بالرسالة في وثيقة الصلح، رفضوا ان يُكتب : «هذا ما قاضى عليه محمّد رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) » .. إذ قال له سهيل بن عمرو مفاوض المشركين : «لو كنّا نعلم انّك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمّد بن عبدالله ... ».
فرضي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يُثبِّت اسمه واسم أبيه مجرّداً من صفة الرسالة ، وقال : «إنِّي لرسول الله وإن كذّبتموني» .
وأمر الإمام عليّاً كاتبه في هذا الصلح أن يكتب : «هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سُهيل بن عمرو» ، فجعل عليٌ يتلكّأ ويأبى أن يكتب إلاّ محمّد رسول الله ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد ، فكتب ما قالوا ...» (15) ..
لقد كانت تلك الموافقة مرونة دبلوماسية عالية، وأسلوباً استيعابياً من أساليب الدعوة .. فعلها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجحان المصلحة ، ولوضوح المستقبل أمامه .. وهكذا تكون الموازنة والترجيح بين المتزاحمات في عالم السياسة والمبدئية .. يشكِّل هذا الموقف أساساً في التعامل السياسي مع القوى والكيانات السياسية غير الإسلامية ، إذا ما تكرّرت الظروف والأسباب والمصالح ذاتها ..
في هذه الآية .. التشكيلة الأدبية الزاخرة بالصور والمعاني والمفاهيم الروحية والسياسية والاجتماعية .. يصوِّر القرآن الوحدة والبنية والتماسك في الجماعة الاسلامية المتآزرة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهي صفة لهذه الجماعة في كل زمان ومكان ..
إنّ الآية تشخِّص صفتي الشدّة والرحمة .. الشدّة والغلظة على الطغاة والمعتدين ، أعداء الانسان الذين يكفرون بالله وبمبادئ الحق والهدى .. وصفة الرحمة والرقة فيما بينهم كجماعة ومجتمع تشدّه أواصر الحق والعدل ، وتسوده الرحمة والمحبّة .. وهذا الوصف ، وصف الشدّة لم ينطلق من انّهم جبابرة طغاة يبحثون عن مكاسب الدنيا والسلطة والمال والتغلّب على الآخرين .. بل هو موقف عقائدي ينطلق من سلوك الشخصية الايمانية المتجهة الى الله سـبحانه ; لذا يصفهم بقوله : سجّداً ركّعاً يريدون وجهه ، وفي الوصف يُوضَع أتباع النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) في دائرة معيّـته ، ويوصفون بوصـفه في الرحمة والقوة والعبودية لله ، والبحث عن رضوانه .. تلك الفئة مشخّصة بعلاماتها : من أثر السجود ، ومن صفتي القوة والرحمة ، والبحث عن مرضاة الله في كل عمل يقومون به .. الجهاد والسياسة ، والبر الاجتماعي ، والتعبّد وحسن الخلق .. إنّ هذه الفئة معروفة بأوصافها المتسامية تلك، وهي متميِّزة بعلامات السجود ترتسم على جباههم في الدنيا ، وفي الآخرة إشراقة تلك المواضع، وبياضها الناصع المضيء.. وهذا الوصف قد سجّلته التوراة والانجيل، كما نتلوه الآن في القرآن أيضاً .. انّهم في تكاتفهم وتماسكهم وتعاطفهم يشكلون وحدة متآزرة يسـند بعضها بعضاً ، كالزّرع الذي تآزرت فروعه وأصـوله ، فظهرت وحدة متكاملة قوية غليظة.. يضفي عليها منظر الحيوية والتماسك جمالاً ونظارة ، يثير الاعجاب والأمل في نفوس أهله وأصحابه ، كما يثير الغيظ بمنظره الجميل القوي المتماسك في نفوس الكفّار .. لقد وعد الله الذين استقاموا على هذا الايمان ، وثبتوا على ما هم عليه من صفة .. لقد وعدهم الله الأجر والثواب العظيم ..
وهكذا بدأ الله سبحانه السورة بالخطاب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ووعده بالفتح ، وختمها بوصف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه ، ووعدهم بالعفو وبالأجر والجزاء الجميل يوم الجزاء ..

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com