قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون
المعنى العام الآيات (6 ـ 11)
(أفلم ينظروا إلى السماء... ) . وبعد أن عرض القرآن تكذيب العقل الجاهلي للبعث والنشور ، راحَ يسوق الأدلّة الحسية ليثبت لهم امكانية البعث والنشور .. لقد عرض الحـوار بطريقة السؤال التقريعي المثـير للانتباه ; ليشعر المتلقي بالغفلـة ، وتحجّر العقول التي يتعامل بها هؤلاء مع الحقائق .. إنّه يسأل لماذا لم يفكروا في خلق السماوات والأرض ، وما حوت من دقة وتنظيم وجمال وتماسك . ومثلها في الدلالة على قدرة الله خلق الأرض .. إنّه يدعوهم ليفكِّروا في هذه الأرض.. وكيف بسطها الله سبحانه ، وهيأها للعيش عليها .. وفي امتداد الأرض نجد الجبال الرواسي ، إذ لم يكن وجود هذه الجبال عفوياً ، ولا عبثاً ، إنّه تقدير عليم مقتدر حكيم .. إنّها رواسي(26) ، لحفظ توازن الأرض في حركتها واستقرارها ، وذلك تقدير العزيز العليم .. وفي امتداد الأرض تتجلّى عظمة القدرة الإلهية على الإحياء والبعث والنشور .. ولكي تكتمل الصورة ببهجتها وروعتها الجمالية ، ودلائل القدرة على الاحياء ، يحضر القرآن صورة السماء ، وقد انهمرت شآبيبها بالمطر ، وبالماء المبارك المنتج المعطاء .. وتلك الأرض الميتة ها هي تتلقى من السماء الماء المبارك لتنبت بالزرع مختلفاً ألوانه من كل زوج، من كل لون وشكل ونوع، بأزهارها وثمارها وأشجارها، جناناً ونخيلاً باسقات .. قد انطلق طلعها لينتج بعد تلقيحه الثمر .. إنّ تلك التشكيلة من الحياة والحركة والجمال ، المليئة بالألوان ومختلف الثمار والعطور والطعوم ، وهي إنتاج عالم التراب الميت الذي انحل فيه جسد الإنسان فصار جزءاً منه .. إنّ الذي أنشأ من تراب الأرض جسم النبات النامي الممتلئ بالحياة والجمال .. إنّ الذي بعث الحياة من تراب الأرض فأنشأ جناناً ونخيلاً باسقات ، وزروعاً من أزواج شتّى .. لقادر على أن يحيي الموتى .. ويجدر بنا أن نقف هنا على معلومتين حريتين بالتأمّل والدراسة في مسألة البعث والنشور ، وهما : 1 ـ الرأي الذي يذهب إليه بعض المتكلِّمين ، وهو (إنّ في بدن الإنسان أجزاء أصلية ، مخلوقة من المني ، وتلك الأجزاء باقية في مدّة حياة الشخص ، وبعد موته وتفرّق أجزائه ، لا تتغيّر ، ولا تتبدّل ، ولا تزيد ولا تنقص ، والإنسان المُشار إليه بـ (هذا) و (أنا) عبارة عن تلك الأجزاء الأصلية ، ومدار الحشر والثواب والعقاب على تلك الأجزاء ، وهذا القول ذهب إليه بعض المتكلِّمين الإمامية ، وربّما يومئ إليه بعض الأخبار ، وهو ما رواه ثقة الإسلام(27) والصّدوق ، في الكافي ، والفقيه ، عن عمار ، عن الصادق (عليه السلام) ، قال: «سُئل عن الميت ، يبلى جسده ، قال : نعم ، حتى لا يبقى لحم ولا عظم إلاّ طينته التي خُلِقَ منها ، فإنّها لا تبلى ، بل تبقى في القبر مستديرة حتى يُخلَق منها ، كما خُلِقَ أوّل مرّة» (28) . إنّها اللوح الانساني المحفوظ الذي يحوي الشفرة ، وهندسة الشخصية وخصائصها . 2 ـ والمعلومة الثانية : هي ما توصّل إليه علم الاستنساخ من التوصّل الفعلي الى تنشئة إنسان من أية خلية من خلايا جسد انساني .. فالخلية الجسدية الحيّة لها القابلية الكاملة في أن تكون إنساناً ; بعد توفير الظروف الحياتية الكاملة لها ، وتلك الخلية التي تحدّثت عنها الرواية وشخّصها علماء الكلام ليس عسيراً على خالق الوجود الذي انشأها أوّل مرّة أن يديمها حيّة وفق ظروف الطبيعة المحيطة بها ، أو قابلة لأن تعود إليها الحياة ضمن تفاعلات طبيعية خاصة ; لتكون الخلية التي تتكوّن منها النشأة الأخرى ، كما وظّف العلماء تلك القوانين في عملية الاستنساخ ، وأنشأوا النعجة : (دولي) وطبقوه في عالم النبات ، وهم قادرون علمياً وعملياً على انشاء الإنسان من تنمية خلية جسدية كما تجرى محاولات عملية الآن : (قُل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إنّ الله على كلِّ شيء قدير ) . (وانّه خلق الزّوجين الذّكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وانّ عليه النشأة الأخرى ) . (قال مَن يُحيي العظام وهي رميم قُل يحييها الّذي أنشأها أوّل مرّة وهو بكلِّ خلق عليم ). (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت ورَبَت وأنبتَتَ من كلِّ زوج بَهيج ). إنّ في كل ذلك لتبصرة وذكرى لمن كان له عقل يفكر ، ويعود إلى الحق ، ويستوعب دلالات الطبيعة ، ويعي ما حوله .. إنّها الصورة الحيّة المألوفة لدى الإنسان والغائبة عن وعيه وتفكيره .. إنّها صورة الأرض القاحلة والمطر والزرع وما تنتج الأرض من ثمار وحبوب وطعام للإنسـان .. ليتأمّل الإنسان في تراب الأرض ، كيف يتحـوّل مع الماء والهواء وضوء الشمس إلى غذاء للنبات ، ليكون مادة حيّة في الجسم النباتي .. انّه يتحوّل الى طعام ، ليتحوّل فيما بعد إلى دم ولحم حي في جسم الإنسان .. انّها الحياة من تراب الأرض ، تبدأ تراباً فجسماً نباتياً ، فجسماً حيوانياً يموج بالحيوية والحياة .. وفي ذلك آية لمن كان له عقل يفكِّر ، ووعي يستوعب .. فيستدلّ بإحياء الأرض الميتة بالزرع والنبات على الخروج من عالم القبور .. وهو البعث والنشور . * * *
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|