قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون


المعنى العام الآيات (16 ـ 20)

(ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوسُ به نفسه ... ) .
ويكشف القرآن في هذا المقطع من الآية المحتوى العميق للنفس البشرية : (ونعلم ما توسوس به نفسه ) ، ليؤكِّد انّ الاستقرار النفسي والصفاء الداخلي غير متحقق للأكثرية من الناس .. انّهم يعيشون حالة القلق والوساوس والتردّد والريب .. انّ الله محيط بالنفس الإنسانية ، لا يحجبها عنه حجاب ، فهو خالقها والعالم بخلجاتها : (ألا يعلم مَن خلق وهو اللّطيف الخبير )، (هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم )الحديد / 3 .
ويعرِّف الله سبحانه الإنسان بإحاطته به .. بكامل سلوكه ، وما يصدر عنه من قول وفعل وقصد .. ما ينطق بكلمة إلاّ ويحفظها الملك الرقيب عليه ، ويهيِّئها العتيد عند اللزوم وثيقة للشهادة .. القرآن بذلك يكشف للإنسان انّ الله قد أوكل به مَلَكين يتلقيان ما يصدر عنه ويكتبانه ، والله أقرب منهما لنفس الإنسان حين يتلقيان ما يصدر عنه ، فعلمه به قديم ومحيط ..
وتوضِّح آية أخرى من سورة الحديد ، التلقي بأنه استنساخ لما كان الإنسان يفعله .. قال تعالى : (إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون ) الجاثية / 29 .
ومن المفيد أن نشير هنا إلى أنّ علوم الفيزياء الحديثة قد توصّلت إلى أنّ الكون يحتفظ بكل حركة واهتزاز يحدث فيه ، فإنّها تبقى محفوظة مسجّلة .. وبذا تبقى الصور والأصوات والحركات محفـوظة يمكن اسـترجاعها مرّة أخرى .. ولعلّ الكتاب الحفيظ والاستنسـاخ وتلقي الملكين المشار إليه في الآيات ، يُفسر طبيعياً بما توصّل إليه علم الفيزياء الحديثة.. وتلك الفتوحات العلمية تقرّب فهم الإنسان للبعث والنشور والحساب ، ومعنى الكتاب والاستنساخ والمَلَكين اللّذَين يتلقيان ما يصدر عن الإنسان من قول أو فعل ، وأنّ الله من ورائهم محيط بما خفي عنهم ممّا توسوس به النفس الإنسانية .. ثم يطوي القرآن صفحة الحياة ويخاطب الإنسان بقوله محذِّراً ومستحضراً فكرة الموت التي غفل عنها الانسان ، ومصوِّراً حالة الاحتضار وصورة الإنسان ، وهو يعاني سكرات الموت ، أخطر فترات الحياة ، وآخر ما يواجهه فيها ..
لقد حضر الموت ، وانتهت الحياة ، وها أنت تواجه ما كنت منه تحيد ، ما كنت تبتعد عنه وتخافه ، وهو الموت ، إنّه الحق الذي لا بدّ منه .. وينتقل القرآن بالانسان من سكرة الموت إلى عالم البعث والنشور ، فسكرة الموت يتلوها انتقال الإنسان إلى عالم الآخرة ، والمكث في عالم البرزخ إلى يوم يقوم الناس للحساب ، يوم يُنفَخ في الصور ، وتقرع أسماعهم أصواته المفزعة، يخرجون من الأجداث كأنّهم جراد منتشر، ذلك هو يوم الوعيد .
* * *

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com