قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون


المعنى العام الآيات (21 ـ 30)

(وجاءت كلّ نفس معها سائقٌ وشهيد * لقد كنتَ في غفلة ... ) .
ومن خلال تتبع سياق الآيات الماضية والاُخرى في هذا المقطع ، نجد القرآن يتحدّث عن عدّة مشاهد في مسار الإنسان .. المشهد الأوّل يتجسّد في عالم الدنيا ممثّلاً بموقف المكذِّبين والمنافقين وموقف المؤمنين الصادقين .. والمشهد الثاني ، هو مشهد الاحتضار تحت سكرة الموت .. أمّا المشهد الثالث فنراه مصوّراً في حركة البعث والنشور حين ينفخ في الصور .. والمشهد الرابع : هو مشهد السّوق إلى ساحات الحساب .. والسّوق كما تفيد الدلالات اللغوية هو الحث على السير من الخلف .. بعكس القيادة ، فإنّها حثّ على السير من أمام .. والمشهد الخامس هو مشهد الحساب ، وتخاصم المجرمين بين يدي الله تعالى .. والمشهد السادس هو مشهد الالقاء في العذاب ، ومطالبة جهنّم بالمزيد من أفواج الضلال والطاغين .. والمشهد السابع : هو مشهد الجنان والنعيم .
ففي مشهد السّوق تتجسّد الصورة كما ترسمها الآية .. صورة الإنسان وهو يسير من منطلق البعث والنشور إلى ساحة الموقف.. (وجاءت كلّ نفس معها سائق وشهيد ) .. سائق يقودها إلى حيث ينتهي بها الموقف للحساب ، وشهيد يحمل وثائق العمل ، وما قدّم الإنسان في عالم الدنيا ; ليبرز الأدلّة وصحيفة الأعمال .. وفي غضون ذلك الموقف المذهل الرهيب يخاطب الله سبحانه الإنسان في ساحات القيامة ، لقد كنت في غفلة ، في ذهول ونسيان عن هذا الموقف ، وما يجري فيه .. أمّا اليوم فكل شيء أمامك بين واضح تراه تعرفه عن وعي ويقين .
لقد كانت بصيرتك ووعيك وتفكيرك محجوباً عن رؤية هذا العالم بغطاء الحجب المادية، وحجب الذنوب والآثام .. أمّا اليوم فبصرك حاد طليق .. عقلك ووعيك منطلق ، قد كشفت عنه تلك الحجب والأغطية ، فانظر إلى ساحة القيامة .. انظر المشاهد التي كنت تنكرها في عالم الدنيا .. استعمل بصرك وعقلك فانّهما طليقان ، لا يحول بينهما وبين رؤية الحقيقة حجاب ، فقد كشف الغطاء ، وكل شيء مكشوف أمامك .. انّك الآن جزء من هذا العالم ، لا تحجب عقلك وبصرك حجب الأرض ..
* * *
)قال قرينه هذا ما لدي عتيد ) .
وتتوالى المشاهد والصور ، وعبارات التعريف بذلك العالم ، فينقل لنا القرآن مقالة القرين .. الملك الشاهد : هذا ما لدي من كتاب وشهادة حاضرة لا يغيب فيها شيء ممّا فعل هذا الإنسان .. لقد ختم الموقف ، وحسم الأمر فمصير المعاند المصرّ على كفره ، هو جهنّم والعذاب .. إنّ القرآن يصوِّر لنا في هذا المقطع من آياته كيف سارت الأحداث من مبدأ الخلقة عبر عوالم الدنيا حتى عوالم الموت والقبور والبعث وساحة الحساب ، إلى منتهى المآل والمصير الذي استحقّه المجرمون : (ألقيا في جهنّم كلّ كفّار عنيد ... ) .
ففي هذه الآية نقرأ الخطاب (ألقيا) وهو بصيغته اللغوية أمر موجه إلى الاثنين ، قال بعض المفسِّرين : إنّ المقصود بهما هو السائق والشهيد ، وقال آخرون هو خطاب لخزنة جهنّم الموكّلين بها ..
إنّ هذا الكافر العنيد منّاع للخير .. إنّه شرِّير ، قد حمل الشّح واللؤم في أعماق نفسه .. قد جمع المال وأوعى .. اختزنه في خزائنه ، واحتكره بشح نفسه وأنانيته ، فمنعه عن أن يصل إلى المحرومين والمستحقين .. بل انّه منّاع لكل خير وما هو حسن ونافع .. إنّ هذا الكافر المعتدي ، متجاوز على الحق والعدل والشريعة .. قد امتلأت نفسه بالكفر والشرك ، والشك في الله ، وبالعناد والشح والشرور ..
لقد حسم الأمر، وقامت أدلّة العدل ، إنّما جزاؤه جهنّم .. لذا تصدر الأوامر مرّة أخرى، مؤكّدة بقوله تعالى : (فألقياه في العذاب الشديد ) .
* * *
)قال قرينه ربّنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد ) .
وتلك صورة أخرى من صور يوم الحساب ، ومشهد مُرعب من مشاهد القيامة .. إذ يتبرّأ الذين اتّبعوا من الذين اتّبعوا .. وذا القرينُ ، الشيطان الذي لازم الإنسان وأغواه وأغراه بالضلال والجريمة والطغيان ، ها هو يتبرّأ منه إلى الله ، محاولاً الاعتذار بأنّه لم يكن مسـؤولاً عن طغـيانه ، بل هو هذا الطاغي كان موغـلاً في الضلال ، قد ملأ الضلال والطغيان نفسه وقلبه وعقله وسلوكه .. ويزيد صورة التبرّؤ تلك وضوحاً قوله تعالى : (وقال الشيطان لما قضي الأمر إنّ الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلاتلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إنِّي كفرتُ بما أشركتموني من قبل إنّ الظالمين لهم عذاب أليم ) إبراهيم/ 22.
* * *
وفي ساحة العدل والحساب يتخاصم المجرمون وقرناؤهم الشياطين .. ولكن من غير جدوى .. بل يصدر التأنيب والإهانة ، أيّها المجرمون لا يخاصم بعضكم بعضاً عندي ، لقد أنذرتكم من قبل ، وقدّمت إليكم الانذار في عالم الدنيا وأقمت الحجج والأدلّة على هذا اليوم .. يوم الوعيد .. يوم الجزاء والحساب ، لقد حسم الأمر ، وقامت أدلّة العدل ، ووضع الميزان والكتاب ، وحُكم بين العباد بالحق والعدل ، فهو سبحانه ليس بظلام للعبيد ، إنّما تجزون ما كنتم تعملون .. لقد قضى الله سبحانه أن يجازي كل إنسان بما عمل ، وهذا وعد حق لا يبدل ولا يغيّر ; لذا يخاطبهم سبحانه بقوله : (ما يُبدّل القول لديَّ وما أنا بظلاّم للعبيد ) .
ليس الله بظلاّم للعبيد ، يوم يلقي كل تلك الأعداد الهائلة من المجرمين في جهنّم ، وهي تطلب المزيد ; (يوم نقول لجهنّم هل امتلأتِ وتقول هل من مزيد ) .
إنّه وصف مُرعِب ، واستعارة تصويرية فريدة للتعبير عن سعة جهنم ، واستعدادها لاستقبال المزيد من المجرمين .. يصوِّر القرآن مشهد الحوار المُرعِب الرهيب ، فالخطاب يوجّه لجهنّم من ربّ العزّة والكبرياء بصيغة السؤال والجواب : (هل امتلأت ) .
(وتقول هل من مزيد ) .. إنّه سؤال العالم بالحقيقة ، ولكن جاء البيان بهذه الصيغة لإحضار مشاهد الرّعب والتحذير أمام الإنسان المخاطب بهذا القرآن .
* * *

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com