اسم الكتاب: تفسير القرآن الكريم _ الجزء السادس والعشرون
المعنى العام الآيات (31 ـ 35)
(وأزلفت الجنّة للمتّقين غير بعيد ... ) . وبعد أن ينهي الوحي الحديث عن المجرمين ، ويعرض المهانة والعذاب الذي حاق بهم مجسداً أمام الأجيال ، ينتقل إلى الحديث عن الجنة ، وإعدادها وتهيئتها وتقريبها .. إنّها الجزاء لكل أواّب حفيظ ، لكل عائد إلى الله ، حافظ للحدود ، لا يتجاوز على مبادئ الحق وأحكام الشريعة.. يخشى الرّحمن بالغيب، لايعصي الله، ولايرتكب الجريمة في السر والعلن، يتحرّك وهو يرى الله معه ، يرقبه ويرصد حركته وفعله ، ويعلم ما يخفي في نفسه .. إنّه ينطلق من الإيمان بالغيب لبناء ذاته ومحتواه النفسي والوجداني ، وحركته السلوكية في المجتمع ، وعلاقته مع الله سبحانه .. أولئك المؤمنون بالغيب .. انطلقوا من العلاقة مع الله ، وليس من الضغوط الخارجية ، ليس من الخوف من الناس ، ولا من النفعية .. إنّه الإيمان الصادق ، والقناعة المخلصة .. لذا فانّهم يأتون الله بقلب نقي طاهر : (وجاء بقلب مُنيب ) . لم ينحرف عن خط الاستقامة ، ولم يخرج على مناهج الحق والهدى مُذ عرف الطريق ، وعاد إلى الله فاستقام على ذلك .. والقرآن بعد أن وصف الجـنة ومستحقيها انتقل إلى مخاطبة أولئك المتقين الأوّابين الحافظين للغيب المستحقين لتلك الجنان .. انتقل إلى مخاطبتهم بقوله : (ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ) . أدخلوها آمنين ; لتحيوا فيها إلى الأبد، فلا موت ولا آلام ولا مزعجات ، أو ادخلوها عليكم سلام الله وسلام ملائكته .. فكلمة (بسلام) قابلة للتفسيرين معاً . وينبغي الايضاح : أن الاستقبال بتحية الرّب وسلامه توضحه آيات أخرى كقوله تعالى : (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ). (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) . وصـورتان من مشاهد ذلك اليوم يعرضهما القرآن .. المشهد الأوّل : مشهد الزجر والاهانة الإلهية للطغاة والمجرمين ، إذ يقال لهم : (لا تختصموا لديّ وقد قدّمت إليكم بالوعيد ) . ويعرض مشهداً آخر ، مشهد الحبّ والتحية والاحترام، إذ يقال لمستحقيه : (أدخلوها بسلام ) . وللإنسان أن يختار في عالم الدنيا ما يشاء من المآلين في عالم الآخرة . (... لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ) . البناء الأدبي في هذه الآية يدعو إلى التأمّل والملاحظة ، فالتعبير جاء مصوغاً للحديث عن غائب ، عن أولئك المتقين ، بعد أن كانوا حضوراً في مشهد الخطاب في الفقرة السابقة : (ادخلوها بسلام ) . ولعلّه ايحاء بأنّه ودّعهم بالتحيّة ليستقرّوا في عالم الخلود ، واتّجه نحو أجيال المتلقين في عالم الدنيا ليخاطبهم بذلك الاستحقاق .. انّه استحقاق غير محدود ، فلأهله ما يشاؤون والى ما تمتد إليه مشيئتهم ، وما تشتهيه أنفسهم ، حين تقف مشيئتهم ومشتهياتهم يأتي المزيد من ربّ النعيم والعطاء الأبدي الخالد الذي لم يفكِّروا فيه ، ولم يتصوّروه . * * *
|
|