قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: تفسير القرآن الكريم - الجزء السابع والعشرون
سورة الذّاريات
« مكيّة ، وهي ستون آية » بسم الله الرّحمن الرّحيم وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (1) فَالْحامِلاَتِ وِقْراً (2)فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً (3)فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) وَالسَّماءِ ذَاتِ ا لْحُـبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْل مُخْتَلِف (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ ا لْخَرَّاصُونَ (10) ا لَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَة سَاهُونَ (11)يَسْأَ لُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12)يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا ا لَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) إِنَّ الْمُتَّقِـينَ فِي جَنَّات وَعُيُون (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِـنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِا لاَْسْحَارِ هُمْ يَسْـتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّـائِلِ وَا لْمَـحْرُومِ (19)وَفِي الاَْرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِـينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ (21 ) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) . شرح المفردات الآيات (1 ـ 22) والذّاريات ذرواً :الذاريات ، الرّياح تذرو التراب وهشيم النبات، أي تفرّقه. فالحاملات وقراً :الوقر : الثقل . والحاملات وقراً ، السـحاب التي تحمل ثقلا من الماء من بلد الى بلد. فالجاريات يسراً :السفن تجري بيسر وسهولة على الماء. فالمقسّمات أمراً:الملائكة يقسمون الاُمـور بين الخلائق،كما اُمروا;من المطر والرزق... الخ. والمعنى أن الله سبحانه أقسم بالرياح والسحاب والسفن الجارية والملائكة، الدالة على عظيم قدرته، وبديع صنعه. انّ الدين لواقع :ان الجزاء يوم القيامة لواقع. ذات الحُبك :ذات الطرائق الجميلة، المتقنة النظام. يُؤفك عنه من أُفك :يُصرف عن هذا الدين من صُرف عن الخير،أي من يبعد عن هذا الدين فقد أُبعد عن كل خير. قُتل الخرّاصون :الخرص، هو القول المبني على الظن والتخمين. والمعنى: لُعن الذين يبنون قولهم في الله ورسوله على الظن الكاذب. في غمرة ساهون :يقصد بالغمرة هنا: الجهل الذي يغمر العقل. أي يغطيه ويحجبه عن التفكير بالخير والمصلحة. ساهون :غافلون عما يجب عليهم. أيّان يوم الدِّين :متى يوم الجزاء. يوم هم على النار يفتنون :الفتن : هو ادخال الذهب في النار ليُعرف الجيّد من الرديء. ومعنى يوم هم على النار يفتنـون : يوم هم يحرقون في النار فتفتضح حقيقتهم الرديئة. ذوقوا فتنتكم :ذوقوا عذابكم وحريقكم الذي يفضح حقيقتكم السيِّئة. يهجعون : الهجوع، نوم الليل. وبالأسحار هم يستغفرون :السَّحر: اسم الوقت الذي يختلط فيه ظلام اللّيل بضياء النهار، أواخر اللّيل المتصلة بأوائل الصبح. المعنى العام الآيات (1 ـ 22) بالقسم المتكرر والمؤكد يقسم الله سبحانه بآثار عظمته، ودلائل قدرته المحسوسة لدى الإنسان. يقسم بالرياح التي تهب فتحمل ما تصادفه من ذرات التراب وهشيم النبات وتذروهما، وحبوب اللقاح وأمثالها ممّا تحمله الرياح، ويقسم بالسحاب التي تحمل قطرات الماء إلى الأرض الميتة فتحييها، ويقسم بالسفن التي تجري في البحر لتحمل الإنسان، وما يريد حمله من مكان لآخر، ويقسم بالملائكة المكلّفة بتنفيذ ما يريد الله سبحانه إجراءه في هذه العوالم، لا سيما المرتبط منه بعالم الإنسان من الرزق والمطر والحوادث وغيرها. إنّه يقسم بكلّ تلك المخلوقات، أو بالأحرى يقسم بعظمته التي خلق بها الرياح والسحاب، وقانون المطر، وحركة السفن في المياه، والملائكة. يقسم بأنّ يوم الحساب والجزاء أمر واقع، وأن الذي خلق عوالم الدنيا قادر على أن يخلق عوالم الآخرة. والقسم بتلك الكائنات مجتمعة له أيضاً دلالته على الترابط بين الرياح والسحاب والسفن والملائكة (القوى المسيِّرة لعالم الخليقة). فتكوّن السحاب ذو علاقة بغبار الأرض الذي تثيره حركة الرياح، لتجمُّع جزيئات الماء المتبخرة من حول ذرات الغبار. وحركة السحاب والسفن ذات علاقة بحركة الرياح.. وهذه القوانين يعرف عظمتها علماء الطبيعة، فهي آيات لمن يتأمل فيها، ويعرف عمق دلالتها. * * * ثمّ يعود فيقسم مرة اُخرى بالسماء المتقنة الصنع والجمال ، ذات الطرق والمسارات المذهلة ، الدّالة على عظمة صانعها بقوله : (والسماء ذات الحبك ). يقسم أن الكفّار وأعداء الدعـوة في قول مختلف وآراء متعـددة ، تدل على الحَيرة والضياع والتشتت ، إنّهم يتخبّطون في ردودهم على هذا القرآن وما جاء به من عقيدة وفكر وتشريع، ويتناقضون فيما يحتجّون به من أدلة وردود واهية.. إنكم في شك ونكران وجدال في البعث والنشور والجزاء أيها الكافرون. إنّه يذكِّر العقل الإنساني، ويلفت وعي الإنسان ووجدانه إلى التأمل في عالم الطبيعة، ومعرفة عظمة الخالق الذي أتقن كلّ شيء، وسيّره وفق قانون ونظام، إنّه هو الذي أنزل الوحي، ونزّل القرآن، ووضع للإنسان منهاج الحياة، ووعد بالبعث والحساب والجزاء. إنكم ترون عالم القدرة الإلهية من حولكم ثمّ تجادلون في يوم الحساب،وفي نزول الوحي والقرآن.إن هذا القرآن يُصرف ويَبتعد عنه من صُرِف،وابتعد عن الحق والخير،إن الذين رفضوا دعوة القرآن،إنّما رفضوا الحق والخير الذي جاءهم به محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم). * * * وبعد هذا العرض والتعريف بدلائل العظمة، وتجليات القدرة، يهاجم القرآن اُولئك الخرّاصين، فيقول: (قُتِلَ الخرّاصون )، أي لُعن وأُبعد وحُرم من الخير، أولئك الذين يتخرّصون، ويخوضون بالشكوك والأوهام والظنون، ويتركون الحق القائم على الدليل والبرهان الذي تشهد به دلائل الحس والوجدان. إن هذا التنكر لكل تلك الدلائل يكشف عن الجهل الذي يغمر تلك العقول، ويسيطر عليها، إنهم في غمرة الجهل واللّهو ساهون غافلون عن فهم هذا العالم المحيط بهم، الدّال على صدق النبوة وبشائر الدعوة .. إنهم هم الذين وصفهم القرآن في موضع آخر بقوله: (وكأيّن من آية يمرّون عليها وهم عنها مُعرضون ). إنهم يسألون بجهل وغفلة واستخفاف متى يوم الجزاء : (أيّان يوم الدِّين ) والقرآن يجيب مهدِّداً: سترون يوم الجزاء وستعرفونه، إن ذلك اليوم هو: (يوم هم على النار يفتنون )، يوم يدخلون النار، ويُقلَّبون فيها. ثمّ ينتقل القرآن من مخاطبتهم بالتهديد والوعيد إلى اشعارهم بالحقيقة التي تحيط بهم يوم الجزاء. فهو لم يقل لهم (ستذوقون فتنتكم) بل قال لهم: (ذوقوا فتنتكم ). لقد انتقل بهم في مسار الخطاب إلى عالم الجزاء، وأسمعهم في عالم الدنيا الكلمة التي ستُقال لهم يوم يفتنون على النار. ليتذكّروا إنّ ما جاء به النبيّون حق. لقد كنتم في عالم الدنيا تستهزئون، وتستعجلون بالعذاب مُستخفِّين به، إنكم اليوم لمحضرون فيه، تستغيثون فلا تغاثون إلاّ بالعذاب فذوقوا الذي كنتم به تستعجلون . وبعد أن تحدّث القرآن عن الخرّاصين السّاهين المكذبين، وما أُعدّ لهم من عذاب ومهانة، انتقل إلى الحديث عن المتقين الذين آمنوا بربهم، وصدّقوا رسالاته، إنّهم يعيشون في عالم الجنات التي تجري فيها العيون فتزيد جمالها جمالا، وبهجتها رِقَّة وسروراً، إنّهم يأخذون استحقاقهم من ربهم يوم الجزاء، ذلك لأ نّهم كانوا في عالم الدنيا أُناساً محسنين، (انّ المتقين في جنات وعيون * آخذين ما آتاهم ربّهم إنّهم كانوا قبل ذلك مُحسنين * كانوا قليلا من اللّيل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حقّ للسائل والمحروم )، لقد كان ليلهم مأوى الحب والمناجاة، ومحراب عبادة وتَبتُّل، وساعات تأمل في ملكوت السماوات والأرض، وفترة تلاوة وتدبر لكتاب الله، ما كانت الغفلة تستولي عليهم، كما استولت على المكذّبين، ولاكان النوم يحول بينهم وبين ذكر المعبود ، فكان جُل ليلهم ذكراً وعبادة. يتواصل عندهم ليل العبادة باستغفار الأسحار . لقد عرفوا خالقهم فامتلأت النفوس بحب المعبود، وسعت الضمائر نحو الطهارة والنقاء، فاختاروا اللّيل والأسحار محراباً للعبادة والاستغفار، حيث تهدأ العيون، وتنقطع حركة الحياة، وتصفو النفوس، فهي أفضل ساعات التهيؤ والصفاء، والخلوة والإنقطاع إلى الله سبحانه . قد انسـاب هذا النقاء والتغيير إلى أعماق نفوسهم ، فهم ليسـوا ممّن يملأ فمه بالتمتمة والترديد بالفاظ الذكر والتسبيح دون أن تنفذ إلى أعماقهم الآثار والغايات، لقد تحررت ضمائرهم من سلطة المال والجشع والأنانية فنظروا إلى الإنسان المحروم كصاحب حق في أموالهم ; ليشاركهم فيها بحق وإلزام ، ألَيست الدنيا عرضاً زائلا ، وثواب الآخرة خيراً وأبقى، إذاً لماذا البخل والجشع ، واكتناز المال ، وحرمان الآخرين ؟ إنّهم كانوا كذلك ; لذا استحقوا ما آتاهم الله فأخذوه بهناء وتكريم. * * * فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالاَْرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْل سَمِين (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَتَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَم عَلِيم (28)فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّة فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31)قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلى قَوْم مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِن طِين (33)مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35)فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْت مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الاَْلِيمَ (37)وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَان مُبِين (38)فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39)فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)وَفِي عَاد إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِن شَيْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِين (43)فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَام وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ (45)وَقَوْمَ نُوح مِن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (46). شرح المفردات الآيات (23 ـ 46) قوم منكرون :رجال لا نعرفهم، فقد قال ابراهيم ذلك في نفسه، عندما ظنّهم رجالا من البشر. بينما كانوا ملائكة بهيئة البشر. فراغ الى أهله :ذهب الى أهله بخفية لئلا يشعر به ضيفه. فجاء بعجل سمين :جاء بعجل سمين مشوي ليأكلوا منه. فأوجس منهم خيفة :أحس في نفسه بالخوف منهم لمّا رآهم لا يأكلون الطعام. فأقبلت امرأته في صرّة :جاءت زوجته في صيحة وضجيج. فصكّت وجهها :الصّك : ضرب الشيء بالشيء العريض، والمعنى: جمعت أصابعها فضربت وجهها، تعجّباً ممّا سمعت من البشارة بالولد (باسحاق) .. وصكّ الوجه عند التعجّب من عادة النساء . فما خطبكم :الخطب هو الأمر العظيم . والمعنى: ما شأنكم ، ماذا تريدون؟ مُسوّمة عند ربِّك للمسرفين :مُعَلَّمة، أي مهيّأة، ومخصّصة لعذاب المسرفين. فتولّى بركنه :أعرض عن دعوة الحق، متقوياً بجنده وأنصاره. فنبذناهم في اليم :ألقيناهم باهانة واحتقار في البحر. وهو مُليم :أي نبذ فرعون في البحر، وهو ملام على كفره وفساده. الريح العقيم :الريح التي لا تأتي بخير، كتحريك السحاب للمطر، أو تلقيح الشجر، بل كانت ريحاً عاصفة مدمّرة. كالرّميم :كالعظم البالي، الذي يتفتت ويتناثر. فعتوا عن أمر ربهم :خرجوا عن طاعة الله، استكباراً وترفعاً عن الحق . المعنى العام الآيات (23 ـ 46) يعود القرآن مرّة أخرى فيخاطب العقول،يدعوها للتأمل فيما يحيط بها من آيات العظمة، ودلائل القدرة في هذه الأرض،وفي عالم الإنسان وتكوينه الجسدي والعقلي،ووضعه النفسي، ويؤكّد أن هذه الآيات وتلك الحقائق إنّما يعقلها الموقنون،الذين تحَّروا الحقيقة عن علم وبصيرة، ويجهلها المعاندون الذين هم في غمرة ساهون.. إن عالم الأرض والإنسان منظومة من الآيات ودلائل العظمة الشاهدة بقدرة الصانع العظيم،وإحسان الرّب الكريم،ليتأمل الإنسان في بديع صنع الباري،وعظيم إحسانه،وليعرف خالقه عن وعي ودليل،ويرتبط به عن علم وبصيرة. ويمضي القرآن في خطابه البياني للإنسان فيربطه بخالق الوجود ليحرّره من سيطرة الطاغوت، مِن الخوف والقلق على المال والعيش، وإرهاب الظلمة والمتسلّطين. فالرزق وما وعد الإنسان به من قضاء وقدر وأحداث موكولة إلى الله سبحانه، فهو الذي يتصرّف في الخلائق بعدل وحكمة. ثمّ يعود سبحانه فيقسم بذاته المقدسة، برب السماء والأرض، أن كلّ ذلك حق وصدق، إنّ ما وعد الله به، من بعث وحساب وعقاب وثواب، إنّه لكائن كما أن الإنسان ينطق، فهل بوسع أحد أن ينكر نطق الإنسان أم أ نّه حقيقة محسوسة لا سبيل لإنكارها؟ كذلك ما جاء به النبيون فإنّه حق كحقيقة نطق الإنسان. * * * وفي هذه الآيات «هل أتاك حديث ضيف ابراهيم المكرمين..» يتحدث القرآن عن بشرى الملائكة لابراهيم باسحاق ويعرض وقائع وأحداثاً ذات علاقة بما سبق من الآيات، وموضع العلاقة هو الإخبار بالعذاب والتدمير الذي حلَّ بقوم لوط لمّا كفروا وعصوا، وهو إيحاء بقدرة الله سبحانه على انزال العِقاب بأولئك المكذِّبين لك يا محمّد. ابتدأ الحديث بصيغة السؤال: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم.. ؟ وهو أسلوب بلاغي للإخبار عن أمر هام إذا أريد التعريف به ، ويسرد القرآن قصة ضيف ابراهيم (عليه السلام) ، الضيوف الذين حملوا له البشرى (وبشروه بغلام عليم )، وهم الملائكة المرسلون لإنزال العقاب بقوم لوط المجرمين. ففي هذه القصة نرى ظهور الملائكة على الأرض على هيئة بشر مُجسّدين فظنّهم إبراهيم (عليه السلام) ضيفاً من عابري السبيل، غير أنهم كانوا ملائكة جاؤوه وهم يحملون له البشرى بغلام عليم، وهو إسحاق.. جاءت البشرى وسارة زوجه امرأة قد شاخت وهرمت، فكانت عجوزاً قد دخلت سن اليأس، وقضت عمرها عقيماً لا تلد. فكيف تُبشر بغلام.. كلّ ذلك أثار استغراب سارة، فما سمعته هو من خوارق قوانين الطبيعة المألوفة لدى الإنسان، ومن معاجز الله سبحانه التي يظهرها لأنبيائه..ويسرد القرآن حوادث القصة كالآتي: دخل الملائكـة على إبراهيم بهيئة جماعة بشرية، وعلى ما اعتاده الناس فقد بدأوا بالتحيّة، وحلّوا ضيفاً في بيته، فلمّا واجه إبراهيم (عليه السلام) هؤلاء الضيوف قال في نفسه هؤلاء قوم منكرون، أناس لا نعرفهم، ثمّ شرع إبراهيم بإكرام ضيفه ، فذهب إلى بيته خفية، دون أن يشعرهم بما يريد، فجاء بالطعام، عجلا مشوياً سميناً. قرّب الطعام ، وكان ينتظر من ضيفه أن يتناولوه ويأكلوا منه، غير أنهم ليسوا ممن يأكل الطعام، فلم تمتد أيديهم إليه، فطلب منهم إبراهيم أن يتناولوا الطعام، وحثهم بقوله: ألا تأكلون، عندئذ شعر إبراهيم بغرابة الموقف فاختلج الخوف في نفسه، فظن أ نّهم يريدون به سوءاً، فقالوا: لا تخف. وعندئذ عرّفوا أنفسهم، وكشفوا هويتهم، إنهم ليسوا بشراً، إنّهم ملائكة مرسلون من الله، إنّهم يحملون له البشرى بغلام عليم، لقد سمعت سارة تلك البشرى. وعلى عادة النساء عندما تُفاجأ بخبر غريب تصك وجهها، تعبيراً عن التعجب والإستغراب، فردَّ الملائكة على موقف سارة هذا: أن لا تعجبي، فذلك أمر الله الحكيم العليم، قالوا: (كذلك قال ربّك )، أي تلك إرادة الله التي أعلمنا بها .. وتواصل الحوار بين إبراهيم والملائكة الموفدين : إبراهيم يسأل: (فما خطبكم أيّها المرسلون ) ؟ ما هو الأمر الخطير الذي أرسلتم به ؟... أجاب المرسلون : (إنا أُرسلنا إلى قوم مجرمين )، إنهم قوم لوط، فقد أسرف أولئك المنحرفون، وارتكبوا جريمة الشذوذ الجنسي، فكانوا يأتون الرجال شهوة، لقد شرح الملائكة ما أُمروا به، ثمّ انطلقوا منه فباشروا بتنفيذ العذاب، لقد تمّ القضاء عليهم بارسال الحجارة المُعلّمة المعُدّة لأولئك المسرفين بعد أن أخرج الملائكة مَنْ كان في القرية من المؤمنين، فلم يكن فيها غير بيت واحد من المسلمين الذين استثنوا من العذاب، لقد بقي هذا الحدث التأريخي مَعْلماً شاخصاً، وموعظة للذين يخافون الله، ويخشون العذاب، لقد ساق القرآن هذه القصة لتكون عبرة للبشرية على امتداد أجيالها، جيل المشركين الذي عاصر الدعوة والذي كذّب النبي محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأجيال البشرية اللاحقة، بعدهم. * * * إنّ القرآن يوحي في هذه القصة بأن الذين يمارسون الشذوذ الجنسي إنّما يسـتحقون العقاب والعذاب بالشكل الذي أُنزل بقوم لوط. إن الجاهلية المعاصرة في أوربا وأمريكا والمتأثّرين بحضارتها الجاهلية قد أعادوا بشكل صريح ومباح ممارسة الشذوذ الجنسي، فكانت كارثة الأمراض الجنسية التي يشكّل مرض الإيدز أخطر آثارها المدمِّرة، والتي يعدُّها العلماء أخطر من الحرب النوويّة. * * * وبعد أن ساق القرآن الحديث عن قصة قوم لوط الذين دمَّر الله عليهم بذنوبهم وجرائمهم، انتقل إلى التعريف بحوادث ووقائع تأريخية اُخرى، تشهد بجهاد الأنبياء ضد الطغاة المتكبرين، كلّ ذلك ليثبّت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في جهاده ضد الكفر والطاغوت، وليعظ أولئك المعاندين بأدلة حسيّة من التأريخ. فالقرآن كلّما ساق قصة، أو أورد حادثة أراد منها أن تكون موعظة وعبرة، فهو يريد أن يكون التأريخ مُعلِّماً للإنسان،والماضي واعظاً لمن حضر. لذا نجده ينتقل من عرض قصة قوم لوط إلى عرض قصة موسى مع فرعون (وفي موسى إذ أرسلناه الى فرعون بسلطان مبين.. فتولى بركته وقال ساحر أو مجنون ) فيؤكِّد مرّة اُخرى أن في ما أرسل الله موسى به من حجج، ومعاجز دامغة لفرعون وملئه، وما انتهى إليه أمر فرعون، آية لمن يأتي بعدهم، كما أصبح قوم لوط آية للعالمين. لقد استكبر فرعون، ورفض دعوة الحق التي جاء بها موسى، متعززاً بقوته وأنصاره، كما يرفض طواغيت قريش دعوتك يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكما يرفض كلّ الطواغيت دعوة الحق والرشاد على امتداد الأجيال. غير أن سنن الله سبحانه قضت أن يُذل الطواغيت، وتدمّر قوى الضلال، لقد تحقق ذلك فأهلك الله فرعون وجنوده غرقاً في البحر. لقد نُبذ فرعون المتكبر الطاغوت باحتقار ومهانة، وانتهت دولته التي كان يعتصم بها، ويستخدمها لإذلال المستضعفين، كما أهلك الله قوم لوط رجماً بالحجارة . * * * ويسترسل القرآن في عرض عيّنة تأريخية اُخرى من عيّنات الطواغيت والمجرمين، وهم قوم عاد ، (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العظيم... ) يعرضهم آية للناس، وعلامة شاخصة على المصير الذي ينتهي إليه الكفر والطغيان. لقد أهلك الله قوم عاد بريح صرصر عاتية، عواصف مدمِّرة قضت على مدنهم وحضارتهم وزروعهم وحيواناتهم، كما قضت عليهم، فلم تترك شيئاً إلاّ وفتّته وبعثرته، كما يُفتتُ العظم البالي ويبعثر. ويواصل القرآن حديثه عن تأريخ الأمم والشعوب التي عتت عن أمر ربها ، فحاربت الرسل ، فيعرض قوم ثمود مثالا آخر للجريمة والعناد : (وفي ثمود إذ قيل لهم تمتّعوا حتى حين... ) لقد كانوا قوماً مجرمين، كفروا بنبيّهم صالح، وعقروا الناقة التي أرسلها الله لهم آية، ولم يتقبلوا نصيحة نبيِّهم الذي منحهم مهلة للتوبة ثلاثة أيام، فلم يتوبوا إلى الله، ولم يرجعوا عن معصيتهم. لقد قال النبي (عليه السلام) ـ صالح ـ لقومه ثمود : (تمتّعوا في دارِكُم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب )، فجاءهم العذاب، وحلَّت بهم الصاعقة، فكانوا آية للعالمين ، تشهد بمصير الظالمين .. ولكي يُعزِّز القرآن موقف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويسوق المزيد من شواهد التأريخ لأهل مكّة العتاة، عرض قصة نوح (عليه السلام) التي يشهد التأريخ بوقائعها، كما يشهد التأريخ بآثار ما سلف من وقائع عرضها القرآن : (وقوم نوح من قبل إنّهم كانوا قوماً فاسقين ) وقد تحدّث الوحي في مواضع عديدة عن قصة نوح مع قومه، وتعرّض لحوادث الطوفان والسفينة والإنتقام من العصاة المجرمين. * * * وَالسَّماءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالاَْرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِن كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوْا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُم مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51)كَذلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِن رَسُول إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52)أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُوم (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِن رِزْق وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57)إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ (59)فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60). شرح المفردات الآيات (47 ـ 60) بنيناها بأيد :بنيناها بقوّة، فاليد هنا كناية عن القوة، فالعرب تستعمل كلمة اليد بمعنى القوة والفضل والإحسان. والأرض فرشناها :انّ الله بسط الأرض، وجعلها صالحة للعيش عليها. فَنِعمَ الماهدون :التمهيد: هو التهيئة، وتسوية الشيء. ونعم الماهدون: مدح وثناء على ما هيأه الله سبحانه وسوّاه من تهيئة الأرض ، وجعلها صالحة للعيش ، بشكل لا نقص فيه ولا خلل. فما أنتَ بملوم :انك لاتُلام يا محمّد على كفرهم وضلالهم، بل هم الذين يتحمّلون اللّوم والمسؤولية لعدم استجابتهم لدعوة الحق. المتين :القوي الذي لا يمكن أن يضعف أو يعجز . المعنى العام الآية (47 ـ 60) بعد أن تحدّث القرآن عن حوادث متعدِّدة من تاريخ المجرمين، وما حلّ بهم من عذاب، ساق الأدلّة المحسوسة لدى الإنسان على وجود الله وعظمته، فلفت نظره إلى السماء، وما فيها من كواكب ونجوم ومجرّات وعوالم ممتدة دالة على القوة والقدرة الإلهيتين. وفي الآية الكريمة: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ) تستوقفنا كلمتان، هما: بنيناها. وإنا لموسعون. فالبناء هو عمل هندسي متماسك مترابط. اذاً فالقرآن في هذه الآية يكشف للإنسان عن نظام الدّقة والاتقان في بناء السماوات، ويعرضها وحدة هندسية مترابطة النظام والتماسك; لذا سـمّاه بناء ، وهو ما تشهد به الأبحاث العلمية الحديثة . وقوله تعالى : (وإنّا لموسعون ) ، يشير إلى أن بناء السماوات ما زال يتّسع، وتتكون عوالم جديدة بقدرة الله سبحانه ، وهذا ما أثبته العلم الحديث. فقد توصل إلى أن الكون مستمر في التوسّع، وتكوُّن الأجرام، وليس بناءً قد اتخذ صيغته وحجمه النهائيين، وهاتان الآيتان من معاجز القرآن العلمية، كشفتا سراً من أعظم أسرار الكون، وهذا الكشف العلمي دليل على نبوة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) . وإذا كانت السماء بناء هندسياً مترابطاً من طوابق وأجزاء ومُجمَّعات، فإن الأرض قد بسطت ومُدّت: (والأرض فرشناها فَنِعمَ الماهدون ) لتكون صالحة لعيش الأحياء عليها، فقد وفّر الله سبحانه فيها كلّ ظروف الحياة، من الهواء والضوء والحرارة والغذاء والماء والجاذبية ... الخ ، بدرجات مناسبة للعيش عليها . * * * في هذه الآية (ومن كلّ شيء خلقنا زوجين لعلّكم تذكرون ) يقرِّر القرآن قانون الزوجية في الوجود. والزوجان هما الفردان اللّذان يكمِّل أحدهما الآخر في وجوده وغايته، كالذكر والانثى في عالم النبات والحيوان، والسالب والموجب في عالم الجماد، ويكشف القرآن هذه الحقيقة العلمية للإنسان، وقد كانت خافية عليه إذ لم يعرف سوى زوجية الحيوانات ، وبعض النباتات ، كالنخيل مثـلا . وقد فُسِّر الزوجان في هذه الآية بالذكر والأنثى، كما فسّرا بالمتقابلين، كاللّيل والنهار، والنور والظلمة، والأرض والسماء، والبر والبحر، والجن والانس، والرضا والغضب، والحب والكراهية... الخ. وبذا يمكن أن يفسّر الزوجان بالأشياء المختلفة الطبيعة المتكاملة الأهداف في عالم الوجود. وذلك كشف علمي آخر يثبت أن العالم يبتني ويعمل على أساس وجود وحركة المتقابلات والمتضادات. الذي سماه القرآن بالزوجين. واذاً فعلى الإنسان أن يدرك عظمة الخالق الذي خلق هذا التفاوت والتعدد في المخلوقات، وهو واحد سبحانه، منزّه عن هذه الإزدواجية والتراكيب. * * * وفي هذه الآية (ففرّوا إلى الله إنِّي لكم منه نذير مبين ) ينتقل القرآن من الحديث عن وقائع التاريخ، وعوالم السماوات والأرض إلى مخاطبة الإنسان على لسان محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيدعوهم دعوة المشفق عليهم من خطر مؤكّد محيط بهم، يدعوهم إلى الفرار إلى الله سبحانه، فالخطر يطاردهم، والنار تسعى حولهم، ولا ملجأ من ذلك إلاّ الله سبحانه، لذا دعاهم إلى الفرار إليه، دعاهم إلى توحيده، ونفي الاُلوهية عن غيره، غير أن دعوة التوحيد قد جوبهت، على مرّ العصور، ومن قبل اُمم وشعوب خلت مجابهة الرّد والتكذيب، واتهام الأنبياء بالسحر والجنون، إنّه الموقف الجاهلي الموحَّد من دعوة الهدى والإيمان، فقد جاء الأنبياء برسالة التوحيد، وبالحق والعدل وتحرير الإنسان من سيطرة الطواغيت. وتلك مبادئ لا تروق لاُولئك الطغاة، ولذوي العقول المتخلّفة; لذا نجد تشابه المواقف والردود في جاهليات الاُمم جميعها، حتّى كأ نّهم متواصون في عبارات الرد وأساليب المواجهة.. والقرآن يجيب إنّ السبب الكامن وراء تلك المواقف والردود المتماثلة هو أنهم كانوا جميعاً طغاة، يجمع الطغيان موقفهم، ويوحِّد بين ردودهم، يجيب بقوله: (كذلك ما أتى الّذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون ) فاتركهم يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تجادلهم، فقد أقمت الأدلة والبراهين والحجج الكافية، فلم يزدهم ذلك إلاّ إصراراً وعناداً، فلست بعد ذلك بملوم، لقد بلغت منتهى العذر، وعليك أن تواصل الموعظة والتذكير للمؤمنين، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، الذين فتحوا قلوبهم وعقولهم لسماع كلمة الحق، والبحث عن الخير والإصلاح. * * * ويعقّب القرآن (وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون ... ).. يعقّب على موقف هؤلاء الطغاة فيبيِّن أن سبب خلق الجن والإنس ليس لحاجة إليهم، فالله هو الخالق وهو ليس بحاجة إلى عبادتهم، بل المخلوق نفسه بحاجة إلى العبادة، فهو خُلق متجهاً بشكل فطري إلى خالق الوجود، شاعراً بالنقص والحاجة إليه. وفي العبادة كمال النفس، وتحقق السلامة في الدنيا والسعادة في الآخرة . وبعد هذا البيان عاد القرآن فتحدّث عن أولئك الطغاة المعاندين لدعوة الحق التي صدع بها الهادي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فأكَّد مرَّة أخرى أن لأولئك الظالمين ذنوباً ومعاص وممارسات كذنوب وممارسات من سبقهم من الطغاة : (فانّ للّذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ).. فلا يستعجلون بالعذاب، فموعدهم يوم الحساب ، وهو قريب ، وليس ببعيد . وعندها سيواجهون الويل والعذاب في ذلك اليوم الذي يسخرون به ، ويستعجلون وقوعه ، إنّه اليوم الذي يقول فيه الكافر : يا ليتني كنتُ تراباً .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|