قرآن و تفسير

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  تفسير القرآن الكريم - الجزء السابع والعشرون


سورة الرّحمن

« مكيّة أو مدنيّة ، وهي ثمان وسبعون آية »
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)خَلَقَ ا لاِْنسَانَ (3)عَلَّمَهُ ا لْبَيَانَ (4)الشَّمْسُ وَا لْقَمَرُ بِحُسْـبَان (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْـجُدَانِ (6)وَالسَّماءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ا لْمِيزَانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي ا لْمِيزَانِ (8)وَأَقِيمُوا ا لْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِـرُوا ا لْمِيزَانَ (9) .
تفسير المفردات الآيات (1 ـ 9)
علّمه البيان :علّمه النطق.
الشمس والقمر بحسبان :إن الشمس والقمر يجريان وفق نظام، وحساب دقيق متقن.
والنجم والشجر يسجدان :يقصد بالنجـم : النباتات الصغيرة ، التي ليس لها ساق تنتصب عليه، وقيل أن المقصود بالنجم هو نجوم السماء. والمعنى: أن الأشجار والنجوم تسجد لبارئها سجود حقيقة، ولكن لا نفهم حقيقة هذا السجود. وقيل إن معناه الخضوع لنظام العبودية لله تعالى ، لخضـوع وجودها لنـظام تكويني وضعه لها بارئها سبحانه .
المعنى العام الآيات (1 ـ 9)
بهذه الكلمة (الرحمن) التي تملأ النفس أملا وحبّاً ورجاء، افتتح القرآن هذه السورة. والرحمن هو وصف مختص بالله تعالى، فلا يوصف غيره بهذا الوصف. بخلاف وصف الرحمة، فيصح اطلاقه على غير الله تعالى. والرحمن: هو كثير الرحمة. فهو وحده وسع كلّ شيء رحمة، وشملت رحمته كلّ شيء. قال تعالى: (ربّنا وسعت كلّ شيء رحمة وعلماً فاغفر للّذين تابوا ).
والآيات التي وردت بعد آية (الرحمن) هي تعريف للكافرين بالرحمن. إذاً هي جواب، كما يقول العلماء المختصون بنزول الآيات، لسؤال الكافرين: (قالوا وما الرّحمن )،
عندما اُمِروا بالسجود له سبحانه: جاء ذلك بقوله تعالى: (واذا قيل لهم اسجدوا للرّحمن قالوا وما الرّحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً ). فعرّفهم بأن الرحمن، هو الله الذي علّم القرآن لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ; ليعلِّمه للبشرية جمعاء، وهو الذي خلق الإنسان، وعلّمه البيان . علّمه النطق والتلفظ للتعبير عمّا في نفسه من أفكار ومعان وإرادة ومشاعر بكلمات .
إنّه يعرِّف الرّحمن بخالق الإنسان الذي أحاطه برحمته في رحم أمه ، ونشّأه حتى اكتمل إنساناً سوياً، ووهبه القدرة على النطق والتعبير، وعلّمه القرآن الذي فيه خيره وسعادته، وكلّ ذلك العطاء هو فيض الرحمة، وهو عطاء الرحمن.
إنّ من أعظم آيات الله في خلق الإنسان ـ وكلّ آياته عظيمة ـ هو قدرته على النطق، وهو تحويل الفكرة والإحساس والشعور والإرادة الى كلمة، أي استبدال المعنى بلفظ يدل عليه، ولولا النطق لما نشأ التعارف، ولما نشأ المجتمع البشري، ولما نشأت العلوم والمعارف، ولما حقق الإنسان أي وجود مدني أو حضاري، ولما كان هناك فرق بين الإنسان والحيوان. فالناطقية هي الفرق بين الإنسانية والحيوانية; لذا عرَّف العلماء الإنسان بأ نّه: حيوان ناطق.
وبعد التعريف بما أنعم الله سبحانه على الإنسان من الخلق والبيان، وتعليم القرآن، تحدّث عن نعمة الشمس والقمر لارتباطهما بحياة الإنسان، فالشمس مصدر النور والدفء في هذه الأرض ، ولولاهما لعاشت في ظلام دامس، ولولا الشمس لتجمد كلّ شيء في هذه الأرض ، ولاستحالت الحياة على سطحها . وللقمر علاقته بنظام الأرض ، والنور وحركة المجموعة الشمسية، لذا يوضح القرآن أن حركتهما وقربهما وبعدهما من الأرض ، إنّما يجريان وفق حساب علمي دقيق . فلو ابتعدت الشمس عن الأرض لتجمد كلّ شيء عليها ، ولو اقتربت منها لتبخّرت البحار ، واستحال عيش الأحياء عليها .
ولو اقترب القمر أكثر ممّا هو الآن; لاندفعت مياه البحار (المَدُّ) متأثرة بجاذبية القمر، بقوة هائلة تزيح الجبال، وتغرق الأرض. انّ حركتهما، والمسافة بينهما وبين الأرض، إنّما وضعت وفق حساب علمي دقيق، وبعلم الخالق العظيم.
وهكذا تتكامل صورة العلاقة بين خلق الإنسان، وخلق الشمس والقمر، ووجود الحياة على سطح الأرض. فلكي يحيا الانسان إنساناً يجب أن يكون للشمس والقمر وجود محسوب، كما هو الآن، كما يجب أن يكون الإنسان مخلوقاً قادراً على النطق يستطيع البيان (التعبير عمّا في نفسه من أفكار ومعان). ولن تكتمل إنسانيته إلاّ بالقرآن الذي يوضِّح له طريق السعادة والهدى في الحياة; ليوصله الى دار السعادة والسلام في عالم الآخرة.
وهكذا يكشف القرآن أن ما يتمتع به الإنسان من حياة إنسانية، إن هو إلاّ وليد الدفء والنور، والقدرة على البيان; ولن يصنع الدفء والنور والأرض والعقل والبيان، حياة سعيدة، إلاّ في ظل الوحي والتعليم الإلهي، إلاّ في ظل القرآن. وقد وهب الرحمن كلّ هذه النعم .
* * *
(والنّجم والشّجر يسجدان ): وينتقل القرآن في حديثه عمّا أنعم الله سبحانه على الإنسان، وعظمة المنعم، إلى عظمة الطاعة له، وسجود الخلائق لعظمته. فما من شيء في هذا الوجود إلاّ ويسبّح بحمده، وما من شيء من الخلائق إلاّ ويسجد لعظمته. وفي هذه الآية يلفت القرآن نظر الإنسان الجاهل لهذه الحقيقة، يلفت نظره الى سجود النجم (النبات الذي لا ساق له) والشجر، سجود النبات الذي يعيش مصاحباً للانسان على هذه الأرض يتمتع بنعمة النور والدفء والأرض، انه يعرف خالقه، ويسجد له، بإحساس يناسب درجة وجوده في هذا العالم ، وربّما فُسِّر السجود بالخضوع التكويني لإرادة الخالق العظيم، فالنبات ـ بمختلف أنواعه ـ ينمو ويعيش على هذه الأرض، وفق قوانين الحياة المرسومة له، من حيث النشأة والنمو والتكاثر والإضمحلال; وبذا يكون خاضعاً لارادة الله ، أي ساجداً له.
لعلّنا نستغرب أن يكون للنبات حسٌّ، وتطوّرٌ وإدراك للأشياء. لقد اكتشفت الدراسات والأبحاث العلمية تأثّر النبات بما يحيط به من حشرات ومحفّزات، من الصوت والضوء والحركة...; وذلك دليل وجود الشعور والإحساس النباتي المناسب لدرجة وجوده في هذا العالم ، وهو ما ينبّه عليه القرآن في هذا البيان; انه يسجد حقيقة لعظمة خالقه; لأ نّه يشعر بتلك العظمة، ويحس بما يغمر وجوده من الفيض الرباني. إنّها عظمة الخالق المستحق لسجود الخلائق كلّها . انّه السجود الذي تكتمل به إنسانية الانسان .
* * *
(والسّماء رفعها ووضع الميزان * ألاّ تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ).
ويتواصل تعريف القرآن بالرحمن، فهو الذي خلق الإنسان، وعلمه القرآن والبيان. وخلق الشمس والقمر، ونظّم حركة سيرهما ، وهو الذي تسجد له الأشجار، وكلّ نبات في الأرض، وهو الذي رفع السماء، ووضع الميزان. وبهذه التعاريف يتجلّى للإنسان عظمة الخالق في خلقه، إنّه رفع السماء، ورفعها نسبي، منسوب الى الإنسان على الأرض، انّ هذا الفضاء الذي لن تكون فيه الأرض إلاّ هباءة ضئيلة القيمة، فيه ملايين المجرّات ، وآلاف الملايين من النجوم والكواكب ، التي تبعد عن الأرض مئات الملايين من السنين الضوئية . انّ هذه السماوات ، بنظامها واتساعها وجمالها ، وعلاقة بعضها بالأرض ، وبحياة الإنسان ، لتُعرِّف بعظمة الرّحمن ، الخالق العظيم ، الذي ينكر وجوده الملحدون.
والميزان أداة الحساب والتقدير للأشياء المادية والأدبية، قد وضعه خالق الوجود للإنسان.
فالميزان المادّي وضع وفق القانون الذي رفعت به السماء، فارتفاع السماء وارتباط الكواكب والنجوم في اطار المنظومات الكونية; إنّما يجري وفق قانون الجاذبية فيما بينها، وميزان السلع والأشياء يعمل وفق هذا القانون ذاته، فالأرض تجذب الأجسام إليها. وبقدر ما تجذبها الأرض تعطي وزناً.. فالميزان يعمل بقانون الجاذبية الذي تسير وفقه أنظمة السماء المرتفعة; ولعل هذه الحقيقة، هي التي دعت القرآن لأن يُقرن رفع السماء بوضع الميزان.
واذا كان الميزان آلة الضبط والحساب، واستيفاء الحقوق المادية والأدبية كان من الواجب الوفاء به وضبط عمله وفق العدل والإنصاف، وعدم التجاوز على الحق والعدل: (ألاّ تطغوا في الميزان )، ليقام الوزن بالقسط (بالعدل)، ويؤتى كلّ ذي حق حقه المادي والإنساني ، وليمتنع الإنسان عن أن يُخسر الميزان ، عن أن يُنقص الوزن ، عن أن يظلم أو يجور، أو يغمط أحداً حقه ، فيبخس الناس أشياءهم .
* * *
وَا لاَْرْضَ وَضَعَهَا لِلاَْنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ ا لاَْكْمَامِ (11)وَا لْحَبُّ ذُو ا لْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) .
تفسير المفردات الآيات (10 ـ 13)
الأنام :الناس. وقيل أن معنى الأنام هو كلّ ذي روح.
ذات الأكمام :الكُم: الوعاء والغلاف، وجمعها أكمام، والكُم ; هو ما يغطِّي الثمار من أوعية، ويقصد به هنا غلاف الطّلع .
والحَبّ ذو العصف:ذو الورق الذي ينتهي إلى اليَبس والجفاف ، فيتحطّم ويتفتّت .
والريحان:الرزق، وقيل الحب المأكول، كالحنطة والرز والشعير، وقيل نبات الريحان الطيّب الرائحة .
المعنى العام الآيات (10 ـ 13)
(والأرضَ وَضَعَها للأنامِ ).
ويسترسل القرآن في التعريف بمن هو الرحمن، فهو الله خالق الأرض، كما هو خالق الإنسان والسماء. إنّه وضع الأرض للانسان وسائر الأحياء. انّه خلقها ومهّدها للحياة، بما وفّر فيها من ظروف العيش المناسبة لطبيعة الاحياء، من الماء والهواء بنسبه المُنظّمة، والضغط والجاذبية والنور والحرارة والغذاء وسرعة حركتها ودوراتها حول الشمس .. إنّ وجود الأصناف المتعددة للنباتات بألوانها وطعومها وروائحها المختلفة; لتجلِّي عظمة الخالق. إنّها تنبت بأرض واحدة، وتسقى بماء واحد، وتعطي ثماراً مختلفة. إنّ النباتات تلك المصانع المذهلة، التي تصنع السكر والدهن والبروتين والفيتامينات، والزيوت والعطور والطعوم، والأصباغ والألوان والسوائل المختلفة، من تراب الأرض وعناصر الطبيعة.. انه لعمل مذهل، هذا الذي تقوم به تلك المصانع الحيّة (النباتات); لتحكي عن عظمة الصانع العظيم، انه عمل لا يحسّه، ولا يفكّر به، إلاّ العلماء والعارفون بتلك الحقائق. وسبحان القائل: (إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ )، لذا يعدد القرآن أنواع النبات، من الفواكه والنخيل والحبوب والرياحين وغيرها.. ليثير في نفس الإنسان تلك الحقائق والمعلومات، ويوجه نظره وإحساسه إليها.
إنّ كلّ تلك النعم قد خلقها بارئها للإنسان : (فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذِّبان ).
انّه يعاتب الإنسان، كيف ينكر، ويكذِّب بنعم الله سبحانه.. أليس من الحق أن يعترف بهذا الفضل ، ويشكر المنعم ، يسجد لخالق الوجود ... انّه لسؤال حريٌّ بالإجابة ; لذلك حرص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يعلّم أمّته ، كيف تجيب على سؤال الوحي : (فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذِّبان ) . فقد دعاهم إلى أن يجيبوا كلّما قرأوا هذه الآية فيقولوا : «لا بشيء من آلائك يا رب أكذِّب» .
* * *
خَلَقَ ا لاِْنسَانَ مِن صَلْصَال كَا لْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ ا لْجَانَّ مِن مَارِج مِن نَار (15)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ ا لْمَشْـرِقَيْنِ وَرَبُّ ا لْمَغْرِبَيْنِ (17)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَـذِّبَانِ (18) مَرَجَ ا لْبَـحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ (20)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَا لْمَرْجَانُ (22)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ ا لْجَوَارِ ا لْمُنشَآتُ فِي ا لْبَحْرِ كَالاَْعْلاَمِ (24)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان (26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ا لْجَـلاَلِ وَا لاَْكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَـذِّبَانِ (28)يَسْـأَ لُهُ مَن فِي السَّماوَاتِ وَا لاَْرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن (29) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) .
تفسير المفردات الآيات (14 ـ 30)
من صلصال كالفخّار:الصّلصال: الطين الجاف، وقيل الطين النتن. والفخار: الطين
الذي طبخ بالنار فصار خزفاً.
من مارج من نار :المرج : الخلط ، ومارج: مختلط . والمعنى : خلق الجان من لهيب مختلط ، وقيل أن المعنى خلق الجان من نار لا دخان لها . أي : خلقه من نار غير النار المألوفة لدينا، وهي النار ذات الدخان .
مرج البحرين يلتقيان :مرج: أرسل وخلّى(8): والمعنى أرسل البحر المالح، والبحر العذب، متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين في مرأى العين(9).
بينهما برزخ لا يبغيان:البرزخ: الحاجز، لا يبغيان: لا يطغى أحدهما على الآخر.
وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام :الجـوار : هي السـفن الجارية في الماء . والمنشآت : المصنوعات المرفوعات . والأعلام : يقصد بها في هذه الآية2: الجبال .
كل يوم هو في شأن : يعني أن الله ـ جل ثناؤه ـ هو المغـيّر للأمور والأوضاع والتّحولات ، ومُحدِث المستجدّات في عالم المخلوقات .
المعنى العام الآيات (14 ـ 30)
(خلق الإنسان من صلصال كالفخّار... ).
ويتواصل تعريف الرحمن بخلقه، وعظمة قدرته، فينتقل من الحديث عن خلق الشمس والقمر والأرض والنبات، الى الحديث عن خلق الإنسان، الذي تأخّر وجوده بشكل طبيعي عن هذه المخلوقات. انه خُلق من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، لقد خلق الإنسان من تراب الارض المختلط بالماء الذي وصف خلقه في آية اُخرى بقوله: (.. الذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين )، وخلق الجان من مختلط النار.
فكان لكل من العالمين، عالم الجن، وعالم الإنسان، خصائصه وصفاته، فهو يخلق من النار ما يشاء، كما يخلق من التراب ما يشاء من سكر وعطور وزيت وألوان، من خلال ما أنبت من نبات، وتلك حقائق ملموسة ، بل ما يتناوله الإنسان والحيوان من نبات الارض، وثمارها المستخرجة من التراب ، يتحول الى مادة حيوانية، من اللحم والعظم والشعر والحليب والعصارات الهضمية، وكلّ ذلك مصدره التراب، فليس أمام العقل البشري إلاّ أن يسجد لخالق الوجو د، ولا يكذّب بآلاء ربِّه ، وأن يكرِّر قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا بشيء من آلائك يا رب أكذّب» .
(ربّ المشرقين وربّ المغربين )، وفي حركة الشمس والأرض، وتكوّن الليل والنهار، وما يطرأ عليهما من الطول والقصر، أي شروق الشمس وغروبها، واختلاف مواضع الشروق والغروب وتعددها، في الصيف والشتاء، آية من آيات القدرة والعظمة. والقرآن هنا يعرِّف بالرحمن من خلال التعريف بقدرته. إنّ لاختلاف الفصول وتغيّرها، وكمية الحرارة، علاقة بعالم الأرض من حيث الحالة النفسية للإنسان، ونوع الإنتاج الزراعي، ونظام الحياة، ما ينزل من مطر وثلوج، وما تهب من رياح وغبار... الخ، ان كلّ ذلك من آلاء الله، ونعمه على الإنسان، فبأي هذه الآلاء والنعم يكذب الإنس والجان.
* * *
(مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان ).
ومن آياته سبحانه اختلاف نوع المياه، العذب والمالح; فوجودهما يثير سؤالا علمياً وعقلياً مدهشاً: لماذا لم تكن المياه كلها عذبة، ولماذا لم تكن المياه كلها مالحة؟ فلا يطغى أحدهما على الآخر، فتختلط المياه العذبة بالمالحة، ان المدبر العظيم هو الذي جعل بينهما حاجزاً، فلا يهاجم أحدهما الآخر. ان كلّ ذلك يجري لحكمة، ومصلحة في الخلق. والتفاعل والإمداد متواصل بين الماء العذب، والماء المالح الذي يغمر ثلاثة أرباع الأرض. فالبحار المالحة تمد الأرض بالمياه العذبة، عن طريق التبخر والمطر، والمياه العذبة تصب في البحار. والماء العذب مخزون في أعماق الأرض، على شكل مياه جوفية، ينفجر عيوناً وينابيع، فيسلك طريقه أنهاراً ومجاري الى البحار على الأرض. انها آلاء الرحمن ونعمه، فبأي هذه النعم والآلاء يكفر الإنس والجان. وفي أعماق البحار العذبة والمالحة، ينشأ اللؤلؤ والمرجان، للزينة ومنافع الناس، وبشكل مدهش، يبعث على التصاغر أمام عظمة الله وقدرته.
(وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام )، وطبيعة تركيب المياه السائلة وقانون طفو الأجسام الصلبة فوق المواد السائلة، الذي يعبّر عنه لفظياً بقول علماء الفيزياء «تفقد الأجسام الصلبة من وزنها بقدر ما تزيح من السائل»، هو الذي يسمح بطفو السفن، وتنقلها في المياه، ولولا هذه العلاقة القانونية بين السائل والجسم الصلب، كالخشب والحديد، لما طفت السفن التي تمخر عباب البحر، ظاهرة طافية، كما يظهر الجبل على سطح الأرض، جارية في المياه، وهي من أعظم وسائط النقل، والتواصل البشري، ولولاها لما أمكن التواصل بين المجموعات البشرية فيما وراء البحار بهذا الشكل الواسع.
ان الذي خلق قوانين الطبيعة، وعلّم الإنسان الإستفادة منها، هو الرحمن. خلق كلّ ذلك برحمته، فبأي تلك الآلاء والنعم يكذّب الإنسان.
وهكذا يتواصل الحديث القرآني عن الأرض والنبات والإنسان، والسماء والشمس والقمر، والليل والنهار ، والسفن والبحار ، واللؤلؤ والمرجان، فيصوّر الأرض، وما عليها من حركة وحياة وجمال، فيعرضها لوحة فنية زاخرة بألوان الحركة والإثارة، ثم ينتهي المشهد فجأة، ويختفي كلّ شيء من عالم الوجود، كأنه لم يولد، ولم يكن . فيأتي القضاء الإلهي الحاسم :
وهو الحكم بالفناء على هذا العالم، ولكن لا لينتهي الإنسان الى العدم، بل ليبدأ رحلة جديدة، ويدخل عالماً آخر، هو عالم الآخرة.
وهكذا يُصوّر القرآن هذا المسار وتلك النهاية بقوله: (كلّ مَن عليها فان * ويبقى وجه ربِّك ذو الجلال والإكرام ). فللّه وحده البقاء والجلال والإكرام، فهو الأوّل والآخر، والمنزّه عن وقوع الحوادث عليه والفناء. فالفناء قانون ونظام قضى به الحي الباقي على الخلائق كلّها .
انّه الباقي بجلاله وإكرامه. انه الرب الذي تحتاجه الخلائق كلّها: (يسأله من في السماوات والأرض ). يسأله كلّ موجود من خَلقه، أي هي بفقرها الدائم تحتاج الى غناه، انها تفتقر للإيجاد والبقاء والإدامة، وافاضة كلّ ذلك عليها، ولا مصدر لهذا الفيض والعطاء الذي تفتقر اليه إلاّ الله سبحانه ...
(كلّ يوم هو في شأن ).. إنّه الخلاّق الذي يغيّر ويبدّل، ويوجِد الحوادث والوقائع، ويُفني، ويحرّك عوالم الوجود بمختلف المجالات والظواهر والنتائج. فلا استقرار في هذا الوجود، ولا سكون ولا جمود، انه القادر والمختار والمتصرف في الكون بعلم وحكمة. انه يسوق للانسان في هذه الآية، التعريف بحقيقة كونية ترتبط بوجوده، وهي الحركة والتغيير الدائم، ليدعوه الى العمل المتواصل، وطلب التغيير نحو الأفضل من خالق الوجود، الذي يُغيّر ويبدل، ويمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أُمّ الكتاب. وكلّ ذلك يجري وفق الحكمة والمصلحة .
* * *
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أ يُّهَ الثَّقَلاَنِ (31) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا مَعْشَرَ ا لْجِنِّ وَا لاِْنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِن أَقْطَارِ السَّماوَاتِ وَا لاَْرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان (33) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِن نَار وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انشَقَّتِ السَّماءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) .
تفسير المفردات الآيات (31 ـ 38)
الثّقلان : الجنّ والإنس .
شواظ من نار ونحاس : الشـواظ : اللّهب الذي لا دخان فيه ، أو هو اللّهب الأخضر المنفصل من النار. والنحاس: هو اللّهيب بلا دخان، وقيل هو الصفر المذاب ، أو هو ما يتطاير من شرر الصفر والحديد اذا طرق .
فكانت وردة كالدّهان:تصير السماء حمراء، تذوب كما يذوب الزيت، والدهان: الجلد الأحمر.
المعنى العام الآيات (31 ـ 38)
(سنفرغ لكم أيّها الثّقلان... ).
وبعد أن عرّف القرآن بالرحمن، وبعظمته وآلائه على الإنسان، توجّه بالتهديد والوعيد للمجرمين من الإنس والجنّ، فقال: ( سنفرغ لكم أيّه الثقلان ) فعبارة التفرّغ هنا تعني: القصد والجدّ في التعامل مع الأمر، والمعنى سنحاسبكم، حساب المتفرّغ للأمر، ذلك لأن الله سبحانه منزّه عن الشغل والإنشغال.
انه الخالق المهيمن الذي لايستطيع أحد الإفلات منه، فالخلائق جميعاً قبضته، فأين تفرّون، ان أمامكم أن تخرجوا من ملك الله ، لتنجوا من الموت والحساب، ولكن ليس هناك من مُلك، ولا إمكان للفرار، إلاّ بقدرة وقوّة من الله سبحانه. فبأي آلاء ربِّكما تكذِّبان .
ولو قدّر لكما يا معشر الإنس والجن أن تخرجوا من أقطار السماوات والأرض،فلن تستطيعوا النجاة،ولا دفع ما أراد الله عنكم،بل سيرسل عليكم ناراً ونحاساً، يحول بينكم وبين ما تريدون .
وهكذا يغلق القرآن أبواب الأمل أمام المجرمين المصرّين، وتتكاثف صور اليأس من الخلاص، فلا مهرب ولا منجى، ولا ملجأ من الله ، إلاّ اليه سبحانه. فبأي آلاء ربّكما تكذّبان .
ويواصل القرآن الحديث عن مشاهد يوم القيامة، وأحداثها المروِّعة، فيصف ما يحدث للسماء المتماسكة الصافية الزرقة، من تحوّل وتغيّر. انها تنشق، وتستحيل حمراء، كأنّها الزيت الصافي الذي يتموّج بألوان الحمرة . . . عندها يشهد الإنسان الحقيقة التي كان ينكرها فيتذكر ، ولكن أنّى له الذكرى ، انّ هذا ما كان يكذِّب به الإنسان ، فبأي آلاء ربه يكذب بعد هذه الحقائق والآيات.
* * *
فَيَوْمَئِذ لاَ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ (39)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40)يُعْرَفُ ا لْمُـجْرِمُونَ بِسِيَماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَا لاَْقْدَامِ (41)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هذِهِ جَهَنَّمُ ا لَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ا لْمُـجْرِمُونَ (43)يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيم آن (44) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45) .
تفسير المفردات الآيات (39 ـ 45)
يُعرف المجرمون بسيماهم :يعرف المجرمون بعلاماتهم الظاهرة في وجوههم.
فيؤخذ بالنواصي والأقدام:النواصي : جمع ناصية ، وهي الشعر الموجود في مقدّم الرأس . والمعـنى : أنّ المجرمين يُسـاقون بذُلّ ومهانة ، ويُسـحبون من نواصيهم وأقدامهم . إذ تجمع النواصي والأقدام في سلسلة ، فيسحبون في النار .
حميم آن:الحميم: الشديد الحرارة، والآن: منتهى ما يبلغ من حرارة.
المعنى العام الآيات (39 ـ 45)
(فيومئذ لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جان).
وبعد أن عرض القرآن الصورة المروّعة للسماء يوم القيامة، عاد ليواصل حديثه الذي قال فيه: (سنفرغ لكم أيها الثقلان). سنفرغ لحسابكم، ويومها يُعرف المجرمون بسيماهم، فلا يسأل أحد من الإنس أو الجن عن جرم مجرم لإثباته، ولا يسأل هو للإثبات ، بل يسأل ليعترف للخزي والإهانة والتقريع.
فقد أُحصي عليهم كلّ شيء ، ويواجهون بالحقيقة المذهلة ، فكل شيء مسجّل ومستنسخ وناطق ، كما أخبر سبحانه بقوله: (إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون ) (هكذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ).
والمجرمون يُعرفون بسيماهم، وجوههم مسودة، قد وُسمت بعلامات الخزي والمهانة، وأهل الجنة يعرفون بسيماهم; وجوههم نيِّرة مشرقة.
إنّه مشهد الخزي والمهانة الذي تتجسّد فيه تلك العلامات في الوجوه والملامح; ثم يبدأ العقاب، فتتسلمهم الزبانية، لتسوقهم إلى جهنّم، ولكن بأي صورة مذلّة مفزعة يؤخذ فيها المجرمون، يجمع بين نواصيهم: (مقدمة رؤوسهم) وبين أقدامهم، أي تربط النواصي بالأقدام بالأغلال، فيسحبون الى النار.
ويقرِّع القرآن المجرمين بقوله : (هذه جهنّم التي يكذِّب بها المجرمون ). لقد كنتم تكذّبون وتسخرون; إصلوها، وتحمّلوا ما فيها من عذاب ومهانة.. الآن وقد دخلوا جهنم، وأطبقت عليهم بعذابها، والقرآن يصف لنا جانباً من عذاب الجحيم فيقول: (يطوفون بينها وبين حميم آن ) : انهم يطوفون بين حريق النار، وبين الحميم الآن، انه العذاب الدائم، فمرّة النار، ومرّة الحميم ; الماء الشديد الحرارة الذي بلغ منتهى ما يبلغ من حرارة ، ذلك مستقرّهم وما ينتظرهم من جزاء .
وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَان (48) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَة زَوْجَانِ (52)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُش بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَق وَجَنَى ا لْجَنَّتَيْنِ دَان (54)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55)فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ ا لْيَاقُوتُ وَا لْمَرْجَانُ (58)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59)هَلْ جَزَاءُ ا لاِْحْسَانِ إِلاَّ ا لاِْحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) .
تفسير المفردات الآيات (46 ـ 61)
ذواتا أفنان : الأفـنان : الأغصان الطريّة الوَرِقة ، والأفنان أيضاً : الأشكال المختلفة . والمعنى : أن أشجار تلك الجنتين هي ذوات أغصان دائمة الخضرة والطراوة . وقيل أن تلك الجنتين فيهما ألوان النعيم والملذّات.
وجنى الجنتين دان:جنى الجنتين:ثمار الجنتين،ودان:قريب،يتناولها أهل الجنة بيسر وسهولة .
قاصرات الطرف :قَصَرن طَرفَهن على أزواجهنّ ; لشدّة إعجابهنّ بهم .
لم يطمثهنّ :لم يطأهنّ أحد قبلهم ، أي : أبكاراً .
المعنى العام الآيات (46 ـ 61)
(ولمن خاف مقام ربِّه جنّتان... ).
وبعد أن تحدّث القرآن عمّا يلاقي المجرمون من جهنم والعذاب المهين، انتقل الى الحديث عن الجنة والنعيم، وأهلها وما يجدون فيها من حبّ وسلام وجمال ومتعة وكرامة. فيشرع في وصف الجنة، وما فيها من أشجار وحور وثمار، وعيش هانئ ونعيم .
(ولمن خاف مقام ربِّه جنّتان) : في هذه الآية يذكّر القرآن بالمقام الرَّباني، والحضور الدائم لخالق الوجود ، الذي لا يخلو من وجوده وجود، ذلك المقام الذي لا يدركه، ولا يستشعر عظمته إلاّ المؤمنون الصادقون، الذين يرون الله معهم أين ما كانوا، فيخشون مقامه ، ويمتنعون عن معصيته في السر والعلن. انهم يخشون مقامه في الدنيا، كما يخشون مقامه والوقوف بين يديه يوم الحساب.
إنّ جزاء أولئك المؤمنين جنّتان في عالم الخلد. والوصف التالي لهاتين الجنتين، يوضح أنهما ذواتا أغصان وأشجار، وفاكهة مختلف ألوانها (فيهما من كل فاكهة زوجان )، فمن كلّ فصيلة منها نوعان (زوجان) يتميز بذوق وطعم آخر.
يفسر معنى (الزوجين) هنا قوله تعالى: (أزواجاً من نبات شتّى ) أي أنواعاً شتّى(10).
وذلك إمعاناً في المتعة واللّذة والسرور.
وفيهما عينان تجريان بالماء السهل الانسياب والجريان. ان هذا التعدد والتنوع في الجنان والمياه الجارية، وفي الأشجار والفواكه، يزيد الحياة المحيطة بالمؤمنين جمالا وتألّقاً وبهجة. ويضفي القرآن على ذلك الجمال جمالا بقوله: (وجنى الجنّتين دان ): وهذا الوصف مساوق لقوله تعالى: (قطوفها دانية ). إنّ ثمار تلك الجنتين دان، متدلٍّ، قريب من طالبه، يتناوله من غير جهد ولا عناء.
وينتقل القرآن من وصف الجنان الى وصف الحور والجمال المتألّق فيهن والوجوه المشرقة البيضاء، كأ نّهن اللؤلؤ والمرجان، قاصرات الطرف على الأزواج، قد شدّهن الحبّ والشوق الى أزواجهن، لا تنظر احداهن الى غيره، ولا ترى شيئاً أجمل منه في عالم الجنان المحيطة بها، انهن أبكار لم يطمثهنّ ـ لم يواقعهنّ ـ زوج قبلهم من الإنس أو الجان ، جاء هذا الوصف والبيان في قوله تعالى: (إنّا أنشأناهنّ انشاءً فجعلناهنّ أبكاراً ).
تلك الجنان وما حوت من جمال ومتعة ونعيم، هي مفاز للمتقين الذين يخشون مقام الرب وحضوره. فبأي آلاء ربكما تكذبان ..
وبهذه الآية الكريمـة : (هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان ) يختم القرآن الحديث عن الجنتين، وما فيهما من عطاء ونعيم.
انّها الآية التي تثبت القانون الأخلاقي في العلاقة والتعامل بين الخالق والمخلوق، كما هي قاعدة أخلاقية يجب العمل بها بين المخلوقين. ان جزاء من أحسن في الدنيا أن يحسن اليه في الآخرة . وجزاء من يفعل الخير والإحسان الى الآخرين، أن يرد عليه الآخرون بالمثل ، لتستقيم المعادلة والموازنة الأخلاقية. فالإحسان لا يعادله في الميزان إلاّ الإحسان ، ولا يقابل الإحسان بالإساءة إلاّ اللئيم الظلوم، المتنكر لقيم الحق والعدل: (فبأي آلاء ربِّكما تُكذِّبان ).
* * *
وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63)مُدْهَامَّتَانِ (64)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُـمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّـاخَتَانِ (66)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67)فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69)فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71)حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي ا لْخِـيَامِ (72)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73)لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَف خُضْر وَعَبْقَرِيٍّ حِسَان (76) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي ا لْجَلاَلِ وَا لاِْكْرَامِ (78) .
تفسير المفردات الآيات (62 ـ 78)
مدهامّتان :يراهما الناظر سوداوين لكثافة الاشجار، وشدّة الخضرة.
عينان نضّاختان :يفور منهما الماء فيجري.
حور مقصورات في الخيام :الحور: الشديدة البياض، مقصورات: مصونات، مستورات في خيام الجنان.
رفرف خضر :الرفرف: المنتشر من الأوراق، والرفرف: طرف الخيمة الواقع على الارض، مشبّهاً برفيف الطير، وهو نشر جناحيه. وقيل هي المخادّ.
وعبقري حسان :العبقري: النادر في نوعه، وعبقري حسان: هي فرش الجنة، وقد وصفها الله تعالى بالعبقري لتفرّد نوعها في الجمال والصفة.
المعنى العام الآيات (62 ـ 78)
في هذه السورة عرّف القرآن بنوعين من الجنان، نوع أرقى من النوع الآخر. فالنوع الأوّل هو لمن هم أرقى في الإيمان والصلاح ، وهم الذين يخافون مقام ربهم، فلهم تلك الجنتان اللتان مرّ وصفهما في الآيات الآنف ذكرها . وفي هذا المقطع من الآيات يصف القرآن نوعاً آخر من الجنان، هي أقل درجة وفضلا من الأوليين: (ومن دونهما جنّتان )، وقيل هما لأصحاب اليمين(11). فأهل الجنة صنفان: السابقون، وأهل اليمين، كما قال تعالى: (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ) (والسابقون السابقون أولئك المقربون ) .
وفي هذه الآيات يصف القرآن تلك الجنتين، فيصوّرهما جنتين متشابكتي الأشجار والأغصان، يملأهما الري والخضرة بأشدهما . وهو معنى قوله تعالى: (مُدهامّتان ). فيهما عينان يندفع منهما الماء، ويضخ الى الأعلى متدافعاً فوّاراً .
فيهما النخل والفاكهة والرمّان، وذلك وصف تلك الجنتين. خضراوان يتشابك فيهما الشجر، ويتكاثف الظل ، وتنطلق المياه دفّاقة، كما تنطلق المياه من فوهة النافورة. في ظل هذا المنظر الجميل، منظر الخضرة والمياه تصاحب الحور أزواجهن، فيملأن تلك الجنان جمالا ونضارة ... إنّهنّ خيرات حسان. يقمن في خيامهنّ (مقصورات في الخيام ). خيام، ولكنّها ليست كخيام الدنيا. إنّه استعار الإسم ليقرّب الصورة إلى الذهن المخاطب، فالخيام من هيكل درّي نيِّر، كما تفيد بعض الروايات، مجسّد بشكل الخيام .
إنّهنّ أبكار : (لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جانّ ). لم يواقعهن أحد قبلهم. إنّهنّ خلقن لهم جزاءً بما كانوا يعملون .
وهكذا يتألق منظر الحور، حساناً يقمن في بيوت درية الهيكل واللون.
(مُتّكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ).
وفي هذه الآية يصف القرآن مواضع الجلوس المعد لاصحاب النعيم، ففي رحاب تلك الجنان، يجلس أهلها متكئين على رفرف خضر، عبقري حسان: (عجيب) الشكل والصفة والجمال.
فبأي آلاء الله ونعمه واحسانه يكذب الإنس والجان،إنها أكثر من أن تحصى وتعد،وهي ظاهرة محسوسة في الدنيا،وسيلتقي بها الموعودون في الآخرة،سيلتقون بما فيها من نعيم وسعادة.
(تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ).
وبهذه الآية المباركة يختتم الوحي هذه السورة، يختتمها باسم الله ذي الجلال والإكرام، كما افتتحها باسم: (الرّحمن) .
انّه يصف ذاته المقدّسة ; اذ يصف اسمه المبارك بقوله : (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ). ذي العظمة والكبرياء ، منزّه عن النقص ، له الأسماء الحسـنى ، كثير الخير والبركة ، ومفيضهما على الخلائق.
فهو ذو الإكرام، اذا أعطى انما يعطي كرائم الأشياء، ومن غير غضاضة، ولا أذى، بل يوصلها الى مستحقها بإكرام .
ولعظمة هذا الذكر حثّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمّتـه على ترديد هذا الثناء على الله سبحانه بقوله : «انطقوا بيا ذا الجلال والإكرام» (12).
* * *
تعريف
تحدّثت سورة الواقعة عن القـيامة ، وما يُصـاحبها من أحداث مُرَوِّعة ، تحلّ بعالم الأرض والجبال، ووصْف الجنة والنعيم، وقسّمت الناس في عالم الآخرة الى ثلاثة أصناف، هم : أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون.
كما تحدثت عن أكثر الأحداث أهمية ورعباً في حياة الإنسان ، وهي حالة الاحتضار وأهوالها ، وعجز الإنسان عن ان يبدي اي فعل للمحتضر ، واحاطة الوجود الإلهي به وقربه منه ، وما ينتظر هذا الإنسان المنتقل من عالم إلى عالم آخر من مصير يقرره عمله . فاما روح وريحان وجنة نعيم ، واما تصلية جحيم . وتختم هذه السورة المباركة بالتسبيح باسم الرب العظيم بقوله تعالى: (فسبِّح باسم ربك العظيم ) ، وحين نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (اجعلوها في ركوعكم) ، وهو قوله تعالى : (يُسبِّح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) .
ولهذه السورة فضل عظيم، فقد روى أُبي بن كعب عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : «مَن قرأ سورة الواقعة ، كُتِبَ ليس من الغافلين».
وروي أن عثمان بن عفان دخل على عبد الله بن مسعود ، يعوده في مرضه الذي مات فيه ، فقال له: ما تشتكي ؟ قال: ذنوبي ، قال: ما تشتهي ؟ قال: رحمة ربي ، قال: أفلا ندعو الطبيب ؟ قال: الطبيب امرضني . قال: أفلا نأمر بعطائك ؟ قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه ، وتعطينيه وانا مستغن عنه ؟ قال: يكون لبناتك . قال: لا حاجة لهن فيه ، فقد أمرتهن ان يقرأن سورة الواقعة ، فاني سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة ، لم تصبه فاقة أبداً».
وروى العيّاشي بالإسناد ، عن زيد الشحام ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : «مَن قرأ سورة الواقعة قبل أن ينام ، لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر» .
وعن أبي بصير ، عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال : «مَن قرأ في كل ليلة جمعة الواقعة ، أحبّه الله وحبّبه إلى الناس أجمعين ، ولم ير في الدنيا بؤساً أبداً ، ولا فقراً ، ولا آفة من آفات الدنيا ، وكان من رفقاء أمير المؤمنين».

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com