اسم الكتاب: على أبواب الشباب
التحوّلات الجديدة
كُلّنا شاهد الرّبيع وعاش أجواءه الجميلة التي تُطرِب الرّوح وتُداعِب الخـيال .. كلّ شيء في الرّبيـع يبدأ من جديد .. الأزهـار تتفتّح على الأشجار وتملأ الفضاء بعطرها الرّائع .. المزارع والحقول تكتسي بالأوراق الخـضراء والرّياحين الفوّاحة .. الطّـيور تُغرِّد فرحاً لعرس الطّبيعة .. الفراشات تتراقص هي الاُخرى بين الأزهار على أنغام النسيم الرّبيعيّ الهادئ .. والأضواء تلعب على لوحة السّماء الصّافية لعبة الشّروق والغروب وقوس القزح .. هذا هو الرّبيع ، حركة ونهوض وولادة .. شاء الخالِق عزّ وجلّ أن تكون حياة الانسان كفصول السّنة ، تبدأ بالرّبيع وتزدهر في فصل العطاء . ربيع العمر يمرّ به الشّخص منذ ولادته حتّى ريعان شبابه.. وتُشكِّل فترة البلوغ أو ما تُعرَف بسنوات المراهقة فصل العطاء والإزدهار من هذا الرّبيع .. في هذه المرحلة من العمر يكتشف كلّ فرد عالمه الجديد كما يكتشف الرحّالة أرضاً جديدة فيسير في آفاقها الواسعة ليقضيَ فيها أحلى أيّام العمر .. الطّير عندما يكون صغيراً لا يعرف إلاّ عشّه الدافئ الّذي هيّأته له الاُمّ بعناء وصبر وغذّته فيه من الأطعمة التي حملتها إليه ، فإذا قويت جناحاه صار يُجرِّب الطّـيران في آفاق الجوّ ، ويُحلِّق فوق الأشجار والأنهار ، ويختار لنفسه ما شاء من الحبوب والثمار . كما هي دودة القزّ تعتاش في بداية حياتها على أوراق الشّجر ; تقظم ورقة من هذا الغصن وورقة من ذلك الغصن ، وتتنقّل في بطء شديد ، ثمّ تحبس نفسها في الشّرنقة ، فتخرج منها فراشة تسحر العيون بألوانها الزّاهية بينما جناحاها الجميلان يُرفرفان تحت أشعّة الشّمس المتلألأة ، تتفتّح كذلك آفاق الحياة أمام المراهق فتىً أو فتاة ، في هذه المرحلة من العمر ، فتدعوه للنّظر إليها واكتشاف مجهولاتها وأخذ التجارب منها .. عالَم جديد وتحـوّلات جديدة في الجسم والفكر والعواطف .. هذه التحوّلات ليست اضطراباً أو فوضىً تريد تخريب عالَم الطفولة الّذي نحمل منه أحلى الذكريات ، ولكنّها تريد إعادة ترتيب الاُمور ، فهي ولادة جديدة للحياة كما هي في الطّبيعة .. البراعم تخرج من تراب الأرض لتنمو على سطحها، وتكبر وتتفرّع أغصانها حتّى تصبح أشجاراً كثيفة الظلّ حلوة الثمار .. إنّنا نُشاهد مثل هذه الولادة في أجسامنا أيضاً ، فالأسنان تشقّ لثّة الطِّفل الرّضيع لتهيِّئه لمضغ الطّعام الصّلب ، ثمّ تأتي الأسنان الدائميّة بعد سنوات لتحلّ محلّ الاُولى .. ما يحدث لنا من تحوّل في سنّ المراهقة هو أهمّ بكثير من خروج تلك البراعم أو بزوغ هذه الأسنان وتعاقبها .. علينا في هذه السِّن أن نهتمّ بهذا التحوّل الجديد ونحسن التصرّف معه ، ونستثمره في حياتنا استثماراً كاملاً حتّى نصل إلى الرّشد .. رحلة التحوّل هذه تحتاج منّا إلى شيء من التفهّم ، وقليل من الصّبر والتحمّل ، وقدر من المسؤوليّة .. الفهم الصحـيح هو الّذي يربطنا بالحـياة مباشرة ويعرِّفـنا على مواهبها الحقيقية ; والمسـؤوليّة تدفعنا إلى تحقيق ما نريد من هذه الحياة ليكون كلّ شيء بالنسبة لنا مفيداً وهادفاً .. والصّبر والتحمّل نحتاجهما لصعـوبات الطّريق الّذي يضـعنا على أبواب الرّشد .. ويمكن لكلِّ مراهق أن يشعر بالمتعة والسّعادة إذا تجهّز لرحلة العمر هذه .. فإنّ آفاق الحياة متفتِّحة لا سيّما لمن كان في فصل العطاء ..
|
|