اسم الكتاب: أنا والصّلاة
كيف نقرأ هذه الأحاديث ؟
في أثناء استعراضه للأحاديث الواردة في باب الصلاة ، استوقفت زيداً أحاديث يبدو من ظاهرها أ نّها تقلِّل من قيمة الصلاة ، أو لا تضعها في المحلّ الأوّل ، فكيف يمكن التوفيق بينها وبين ما مرّ من أحاديث تعظِّم أهميّة الصلاة في حياتنا ؟ فمن بين الأحاديث ، ما جرى من حوار بين النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أصحابه ، حينما سألهم : أيّ عرى الإيمان أوثق ؟ فقال بعضهم : الصلاة ، وقال بعضهم : الصيام ، وقال بعضهم : الحجّ ، وقال بعضهم : الجهاد . لكنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : «لكلّ ما قلتم فضل ، لكن أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله ، وأن توالي أولياء الله وأن تتبرّأ من أعداء الله» . واستغرق (زيد) في هذا الحديث ، فرأى أنّ عرى الإيمان ، أي المماسك التي تمسكه إنّما تتوثّق بالصلاة التي إن فعلت فعلها وأثّرت أثرها في نفس المصلي جعلته يحبّ في الله ويبغض في الله ، أي أنّ حبّه لا ينطلق من عاطفة مجرّدة أو سطحيّة أو مزاجيّة ، وإنّما من إيمانه بالله وحبّه له . وتأمّل في التسليم في الصـلاة ، حينما يقول : « السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فهو يحيِّي كلّ المصلِّين والصالحين والمؤمنين انطلاقاً من حبّه لهم . ورأى في صلاتي (الجمعة) و (الجماعة) ما يعزّز هذه الروح التي تجعل من صـفوف المصـلِّين صـفّاً واحداً كالبنـيان المرصوص يشدّ بعضهم بعضاً .. ويحبّ بعضهم بعضاً . وبالتالي ، فإنّ الحبّ في الله والبغض في الله لا يحصل لغير المصلين الذين وصفهم الله بقوله : (محمّدٌ رسـول الله والّذينَ معه أشـدّاء على الكفّارِ رُحماء بينهُم تراهم رُكّعاً سُجّداً يبتغونَ فَضلاً مِنَ اللهِ ورِضواناً سيماهم في وُجوهِهِم مِن أثرِ السّجود )(28) . ومرّ (زيد) بحديث يقول : «ليست العبادة كثرة الصلاة والصيام ، إنّ العبادة التفكّر في خلق الله» . والتفت إلى أنّ الحديث لا يقلِّل من قيمة الصلاة ، بل يرفع من قيمة (التفكّر) ، أي لا خير في صلاة وعبادات لا تدفع إلى مزيد من العقل ومزيد من التأمّل والتفكّر ، أي أنّ الاسلام لا يريد عبادات شكليّة أو لفظيّة أو صوريّة فارغة المحتوى ، وإنّما جعل لكلّ عبادة هدفاً ، وهذا مما يدعو إلى التأمّل في ما ترمي إليه العبادات . وقرأ حديثاً يقول : «صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام» . وصلاح ذات البين هو السعي لترميم العلاقة المتصدعة بين إثنين من إخوانك المؤمنين وأصدقائك ، أيّ أنّ الصلاة يجب أن تكون محرّكاً ودافعاً إلى عمل كلّ ما هو خير وصلاح ونفع للناس ، وإلاّ فلا قيمة لها في الخارج ، وإنّما تبقى قيمتها منحصرة في أدائها وحسب . وخلص (زيد) إلى أنّ هذه الأحاديث وأمثالها إنّما تربط بين الصلاة كعبادة وبين نتائجها الاجتماعيّة الممـتدة في الحياة والعلاقات . وهي جميعها تقول بلسان واحد : إنّ الصلاة الحقيقيّة هي معهد إعداد روحي ينطلق منه المصلي لحياة إسلاميّة كلّها صلاة .. أي كلّها عبادة .. أي كلّها نفع لعباد الله .
|
|