اسم الكتاب: أنا والصّلاة
ماذا يعني هذا ؟
في غضون ذلك ، كانت قد مرّت بـ (زيد) لقطات من السيرة تتعلّق بالصلاة ، ورأى أنّ لكلّ موقف أو لقطة من هذه اللقطات دلالة على أنّ الصلاة عظيمة الأهميّة في حياة المسلمين . ـ فحينما أسري بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكّة إلى بيت المقدس ، تذكر السـيرة أ نّه صلّى بالأنبياء (عليهم السلام)جماعة ، أي أ نّهم إئتمّوا به وكان إمامهم . ورحل (زيد) في أفكاره .. ربّما كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد تحادث معهم ، لكنّ اغتنام هذه الفرصة التأريخيّة الثمينة والفريدة في إقامة الصلاة له مغزى كبير ، ومن معانيه أنّ الذي يجمع الأنبـياء ويوحِّدهم هو هذه الصلاة التي انطلقوا منها في دعوة الناس إلى الخير والصلاح وتنفيرهم من الشرور والمعاصي . ـ وفي ليلة يقال إنّها كانت من أشدّ الليالي في (معركة صفين) التي وقعت بين جيش الإمام علي (عليه السلام) وبين جيش معاوية ، وقد سـمّيت بـ (ليلة الهرير) افتقد الجند الإمام (عليه السلام) فبحث عنه بعضهم فرآه منتحياً يصلي ، فجاءه ليسأله : أهذا وقت صلاة ؟! فيردّ عليه الإمام (عليه السلام) : وعلام ترانا نقاتلهم ؟! أي ألسنا نقاتلهم من أجل أن يقيموا الصلاة ، أي أن لا يؤدّوها فقط ، فلقد كان جيش معاوية يصلي لكنّه يمارس البغي ، وهذا تناقض فاضح ، فمن يقيم الصلاة يلتزم العدل ويشيعه ، لا أن يقترف الظلم ويصرّ عليه . ـ وفي معركة الطّفّ يقف الإمام الحسين بن عليّ (عليه السلام) والباقون من أصحابه ليصلّوا في ساحة المعركة ، وكان أحد أصحابه قد التفت إلى زوال الشمس ، فذكّر الإمام الحسين (عليه السلام) بأن صلاة الظهر قد حان وقتها ، فقال له : ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين . ـ وحينما دنت الوفاة من الإمام الباقر (عليه السلام) جمع أهل بيته وبعضاً من أصحابه ، وقال : «لا تنال شفاعتنا مستخفّاً بصلاته» . فكانت آخر وصاياه الاهتمام بإقامة الصلاة ، أي تأكيده على الانتهاء عن الفحشاء والمنكر ، وإدامة ذكر الله تعالى . ـ وعندما قررت قبيلة (هُذيل) قتل الصـحابي (خبيب بن عدي الأوسي الأنصاري) قال لهم : «إن رأيتم أن تدعوني حتّى أركع ركعتين فافعلوا ، قالوا : دونك فاركع ، فركع ركعتـين أتمّهما وأحسنهما . ثمّ أقبل على القوم ، فقال : أما والله لولا أن تظنّوا أنِّي إنّما طوّلت جزعاً من القتل لاستكثرت من الصلاة» !! وقيل إنّه كان أوّل مَن سنّ للمسلمين الركعتين عند القتل ، وقد حصل ذلك مع (حجر بن عدي) في (مرج عذراء) بدمشـق حينما أمر معاوية بقتله ، ومع (مسلم بن عقيل) سفير الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الكوفة ، حينما أمر (عبيدالله بن زياد) بقتله . وهزّت الصورة الأخيرة زيداً من أعماقه ، فهو يقرأ عن أحكام الإعدام التي تجري هذه الأيام ، وأنّ بعض الجلاّدين يطلبون من ضحاياهم أن يتمنّوا أمنية أخيرة قبل أن ينفّذ فيهم حكم الموت ، وقد يتمنّون أشياء كثيرة ، أمّا أن يطلب مَنْ يقف القتلُ في انتظاره الصلاة ركعتـين ، فهذا يعني أنّ أغلى ما يتمـنّاه أن يلتقي بالله في آخر عهده بالحياة حتّى يكون آخر مَنْ يودِّعه وأوّل مَنْ يلتقيه !
|
|