منتدى الشباب

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب: أنا والصّلاة


جولة سريعة في أروقة الصلاة :

بعد استطلاع الرأي الذي أجراه (زيد) بين أصدقائه وزملائه من المصلين، توقّف ليعيد النظر في هذه المشكلات التي تواجههم في الصلاة ، والتي تخرج الصلاة من أن تكون واحة روحية يستجمّ فيها المصلي من عناء الدنيا وهموم الحـياة ، إلى ثقل ثقيل لا يبعث إلاّ على الملل والضجر . ثمّ دخل في نقاش مع أبيه حول ما جمعه من آراء ، طارحاً عليه السـؤال الذي تبلور في ذهـنه عن السـبب في فقدان الصلاة لحرارتها عند بعض المصلين ؟
قال له أبوه : حينما يعتاد الانسان على شيء ، فإنّ الاعتياد سوف يفقد ذلك الشيء رونقه وبهاءه وقيمته ، ولكنّه لو وقف بين الحين والآخر ليتفحّصه ويبحث فيه عن الاُمـور التي تجعله مبعث سرور طويل وراحة نفسيّة دائمة ، لكان ذلك أدعى إلى الثبات عليه واستشعار قيمته .
إنّ الصلاة تعطينا فرصة اللقاء بالله تعالى ، ولكن حرارة اللقاء واقتطاف ثماره يتوقّف على مدى ما نقدِّمه نحن في هذا اللقاء ، فإذا أردناه لقاء عابراً لم نحصل منه سوى ما يحصل عليه عابر سـبيل من التحيّة الخفيفة والكلمات الطائرة السريعة .
وإذا أردناه لقاء شوق ومحبّة ومباثّة للهموم والحوائج ، كان لنا ما نريد ، وبالتالي فعلى مقدار اهتمام المصلي بالصلاة يكون مقدار ما يجنيه منها .
وترك (زيد) أباه ليعود إلى نفسه ، وقد تركت كلمات أبيه فيها دعوة إلى إعادة الاعتبار للصلاة ، فقرّر أن يقوم بجولة سريعة في أروقتها مفتِّشاً عن أسرار حلاوتها ، فماذا وجد ؟
1 ـ التهيّؤ والاستعداد : فالطهارة والوضوء وشرعية اللباس الذي يرتديه المصلي ، بمعنى أن لا يكون مسروقاً أو مغصوباً ، واستحباب التعطّر والسواك ، كلّها مقدّمات تفتح الباب للدخول إلى حرم الصلاة .
وربط (زيد) بين هذا الاستعداد وبين التحضير لاستقبال عزيز ، فرأى أنّ من مكملات اللقاء أن يظهر بمظهر لائق يدلل على احتفائه بمن يقابله .
ورأى أنّ (الأذان) و (الإقامة) يشبهان إلى حدّ ما بابين يدخل منهما المصلي إلى رحاب صلاته ، والله تعالى يقول : (وأتوا البيوت من أبوابها )(34) وهما بمـثابة النداء المضغوط والمكثّف لما في الصلاة من مغانم .
2 ـ المـكان : فكما يشـترط فيه طهارة موضع الصلاة ، فكذلك يشـترط أن لا يكون مغصـوباً ، أي لم يتمّ الاسـتيلاء عليه بالجبر والإكراه . ورأى (زيد) في ذلك درساً كبيراً في تعليم المصلي احترام أموال وممتلكات وحقوق الآخرين ، وهو ربط مهم بين (العبادة) كممارسة شخصيّة ، وبين متعلقاتها من الآثار الاجتماعيّة .
3 ـ الزّمـان : وهو مواقيت محدّدة حتّى يشعر المصلّون بـ (النظام) وبـ (الوحدة) . فعلاوة على احترام المصلي للوقت والالتزام بالمواعيد ، فإنّه يشعر في وقت الصلاة بهذه الروافد الصابّة في اتّجاه واحد .. هو نهر الاسلام العظيم .
4 ـ تكبيرة الإحرام : وهي فاتحة الصلاة : (ألله أكبر) . ومع أنّ المراد بها أن يحرم الاتيان بما ينافي الصلاة بعدها حتّى يسلّم المصلي ، إلاّ أنّ التكبير يذكّر المصلي أنّ الله تعالى الذي هو مقبل عليه أكبر من كلّ كبير فلا أكبر ولا أعظم منه ، وبالتالي فإنّه يشعر بالكثير من الطمأنينة والثقة واليقين أنّ ملجأه أمين وحصين ومكين .
5 ـ القراءة : وهي سورتان (الفاتحة) وسورة أخرى ، أو جزء من سورة أخرى ـ حسب اختلاف الفقهاء ـ واعتبار الفاتحة السورة الثابتة في الصلاة لأ نّها كما يرى بعض المفسِّرين الذين وقف (زيد) على رأيهم : موزّعة بين (الربّ) و (عبده) .. أي بين تمجيد الله وتحميده وبين إعلان العبودية له والاستعانة به وطلب الهداية منه إلى الصراط المستقيم .
ورأى أنّ هذه المـفردات الثلاث (العبـودية) و (الاسـتعانة) و (الاستقامة) ، تمثِّل ركائز الدين الأساسيّة التي تخلق مناعة ضدّ الشرك والاستغناء والانحراف .
6 ـ الرّكوع : وهو حركة انحناء للدلالة على الائتمار والامتثال والطاعة مصحوبة بالتسبيح وبالثناء على الله ، أي أنني ـ أنا المصلي ـ رهن إشارتك يا ربّ !
7 ـ السّجود : وهي حركة أشدّ انحناءً ، حيث يتم فيها لصق الجبهة بالأرض ، وإذا عرفنا أنّ الجبهة تعبير عن رفعة الانسان وأن تمريغها بالأرض تعبير عن الشـعور بـ (الذلّة) أمام (العظمة) عرفنا لماذا كان السجود أقصى درجات القرب من الله .
ولاحظ (زيد) كما لم يلاحظ من قبل أنّ الرحلة بين (تكبيرة الإحرام) مفتاح الدخول إلى الصلاة ، وبين (التسليم) باب الخروج منها ، رحلة فكرية وروحية وسلوكية ، وبالتالي فإنّها عامل مهم من عوامل بناء شخصيّة الشاب المصلي أو الفتاة المصلية .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com