اسم الكتاب: الشباب والعولمة
طبيعة العصر
لا يمكن ـ لأيّ منّا ـ أن يعيش بمعزل عن العالم لوقت طويل .. تلك حقيقة اجتماعية وثقافية . فقد تبقى في بيتك لساعات معينة ، أو لأيام معدودات لا تلبث بعدها أن تشعر بأ نّه ضاق عليك ، وأ نّك بحاجة إلى مغادرته . وقد تبقى قابعاً في مكان ما لفترة ما ، غير أ نّك لا يمكن أن تبقى معتكفاً هناك إلى أمد طويل ، فما هي إلاّ أوقات ـ تطول أو تقصر ـ تقضيها في هذا المكان أو ذاك حتى تضيق به بحثاً عن مجال أوسع ونطاق أرحب . فحتى القرية أو المدينة الكبيرة التي تعيش فيها تشعر أنّها محدودة وضيّقة ، ولا بدّ من الانطلاق إلى دائرة أو أفق أوسع منها .. فترحل .. وتسافر .. وتجوب أقطار الدنيا . ولذا ترى هواة السفر وعشاق السياحة يرودون بقاع الأرض ويجوبون آفاقها بحثاً عن عيش أرغد ، وأمان أوفر ، وعلم أوسع وتجارب أغنى . فالأرض ـ بحسب التعبير القرآني ـ مناكب .. وهي مناكب عريضة قادرة على حمل تطلّعات الانسان وطموحاته وآماله وآفاقه الواسعة المتسعة . ومنذ القدم كان الانسان ـ رغم بدائية وسائل التنقل ـ لا يقرّ له قرار ، فهو كثير التنقل والتجوال للأسباب المذكورة ذاتها . فالقرآن ـ مثلاً ـ يحدثنا عن رحلتين لقريش .. رحلة الشتاء ورحلة الصيف .. الأولى إلى اليمن والثانية إلى الشام لغرض المتاجرة وتبادل البضائع واكتساب المنافع والأرباح . والقرآن ـ أيضاً ـ يحدّثنا عن رحلة (الإسراء) و (المعراج) في جولة كونية وتأريخية وسماواتية ، من بين أحد أهم أسبابها اطلاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو خاتم الأنبياء والمرسلين على آفاق جديدة أوسع من آفاق الجزيرة العربية المحدودة . والقرآن ـ أيضاً ـ يدعونا إلى السعي في مناكب الأرض ليس توسعة في المعاش والرزق فقط ، بل توسعة في الفكر والخيال والتجربة والعلاقات وما إلى ذلك . عصرنا الذي نعيش فيه ، اختزل لنا ذلك ، فقرّب المسافات وأدنى البعيد حتى بتنا فعلاً في (قرية كونية صغيرة) ; فما لم تره بالعين المجردة ـ لصعوبات مالية أحياناً وليس اتصالاتية ـ تراه بها ولكن عبر وسائل اتصال كثيرة من بينها التحقيقات والأفلام المصوّرة .
|
|