اسم الكتاب: الشباب والعولمة
عصر السرعة :
كما يوصف العصر الذي نعيش فيه بأ نّه (عصر السرعة) كنتيجة لوسائل الاتصال السريع ووسائط النقل المتطورة برّاً وبحراً وجوّاً . فأنت تلاحظ أنّ المسافة الزمنية بين قفزة علمية وأخرى راحت تضيق ، فلم نعد نحتاج إلى عقد وعقدين من الزمن أو أكثر حتى يتكلّل اختراع ما أو تجربة ما بالنجاح ، بل باتت مسألة سنوات معدودة . وإلى جانب ما أفرزه هذا الواقع من سعة في العلوم والمعارف في الميادين المختلفة ، فإنّه كشف أيضاً عن أنّ الكثير من النظريات والآراء والاختراعات العلمية السابقة ، بل حتى على صعيد النظريات التعليمية والاجتماعية أحياناً ، هي عرضة للتبدل والتغيير في سياق الزمن المتصاعد ، فلقد اندثرت نظريات أو تراجعت فاسحة المجال لنظريات أكثر تطوراً ونضجاً ، ويتجلى ذلك في مجال الصحة والأجهزة التقنية الكهربائية والالكترونية . غير أنّ المثير للانتباه هو أنّ مصطلح (عصر السرعة) قد أسيء فهمه واستغلاله . فإذا رأيت تلميذاً ينهي مطالعة كتاب مدرسي أو أي كتاب آخر في ظرف دقائق ، وتعجب لذلك فإنّه يردّ على تعجبك بأ نّه في عصر السرعة . وإذا قاد شاب سيارته بسرعة فائقة يتجاوز فيها الحدود المسموحة ، قال : إنّنا في عصر السرعة .. وإذا تناول الشبان والفتيات الأطعمة الجاهزة أو السريعة الصنع حتى ولم تكن صحية ، قالوا : نحن في عصر السرعة .. وإذا أنجز فنان شاب لوحته بسرعة ، أو كتبت فتاة أديبة قصيدتها بسرعة ، وإذا قامت علاقات بين بعض الشبان أو بعض الفتيات بسرعة ونسخت بسرعة ، فإنّك تسمع منهم تبريراً غير مقنع ، إنّنا في عصر السرعة ولا شيء يمكن أن يدوم . وقد تعذر هؤلاء وهؤلاء في بعض الأحيان لأ نّهم يختزلون أوقاتاً كانت تهدر على أعمال لا تحتاج إلى كل هذا التبذير ، كالبقاء طويلاً في المطبخ ، أو الجلوس ساعات طويلة للثرثرة أو التسكّع في الشوارع وما شاكل ذلك . ولكنك لا تجد العذر للأعمال غير الناضجة أو المطبوخة على نار هادئة خاصة وإن ذلك يتنافى مع ثقافتنا الاسلامية «رحم الله امرأً عمل عملاً فأتمّه وأتقنه» كما يتنافى مع روح العصر التي تتطلب الدقة العالية في الإبداع والمنافسة . إنّ السرعة والدقّة لا تلتقيان إلاّ نادراً ، وبعد أن تكون المهارة قد وصلت أعلى مراتبها ، ولذا فمثل الشاب أو الفتاة اللذين يسرعان في إنجاز أعمالهما دون توخي الدقّة ، كمثل الذي يقطف ثمرة غير ناضجة (فجّة) ليأكلها .. هل تراه يستذوقها ؟ هل يجد طعمها كطعم الثمرة الناضجة اللذيذة الشهية ؟ إنّنا لا ندعو إلى إنجاز العمل الذي يحتاج إلى ساعة بيومين ، أو الذي يحتاج إلى يوم بأسبوع لا سيما بعد ما أعانتنا في ذلك تقنيات حديثة كثيرة ، لكن ذلك لا يعفينا من ضرورة الانجاز الدقيق المتكامل الذي ينافس الانجازات المماثلة أو يقترب منها . إنّ عودة الفنان الشاب إلى لوحته بعد رسمها قد يجعله يضيف لمسات جمالية أخرى عليها ، وتأنّي الأديبة الشابة في كتابة قصة أو قصيدة يوفر لنتاجها شرطاً من شروط الإبداع ، ويقلل فرص النقد والمؤاخذة ، وهكذا الأمر في كل شأن حياتي أو علمي أو فني أو أدبي . وثمة مفارقة أخرى ، فالذين يدّعون أ نّهم في عصر السرعة ، ويبررون بذلك النقص الحاصل في أعمالهم ، تراهم ينفقون الساعات الطوال في لعبة لكرة القدم ، وساعات أطول أمام الانترنيت ، وساعات متواصلة أمام التلفاز ، وساعات في التجول بالسيارة أو سيراً على الأقدام في الأسواق وأماكن النزهة .. إنّ مفهوم (عصر السرعة) يستخدم في المواضع الخطأ ، فأنت تسرع في الموضع الذي يحتاج إلى الدقّة والتريث والتأني ، وتبطئ في المواضع التي لا تحتاج إلى ذلك . فما زال الوقت المهدور عبثاً بين الشباب والفتيات ، بل ازداد هدراً .. وما زالت الأوقات المضيّعة على الهوامش .. كثيرة ، وكان بالإمكان أن يستثمر الوقت الفائض في أعمال أكبر وانجازات أكثر ، لكننا لا نجد ذلك إلاّ في حدود ضيقة .
|
|