قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الشباب والعولمة
ما هي العولمة ؟
لقد أعطيت للعولمة تعريفات كثيرة ، لكنّ أقربها إلى فهمنا وادراكنا لطبيعتها ومراميها هو أنّها سياسة استعمارية استكبارية جديدة للسيطرة على العالمين العربي والاسلامي ، بل هناك تخوّف غربي منها أيضاً ((2)) ، فهي محاولة لاحتواء العالم والهيمنة عليه من خلال النموذج الأميركي . والعولمة بما هي بسط النفوذ الأميركي على العالم ، لها وجوه كثيرة ، سياسية وعسكرية وثقافية واقتصادية وأمنيّة . أمّا أهدافها : ـ فإسقاط الحواجز والهويات والثقافات والشخصيات((3)) ، وصهر الجميع في البوتقة الأميركية ، وتصنيعها وفق النموذج الأميركي . ـ خلق سوق عالمية مفتوحة الأبواب على مصاريعها . ـ الحصول على المواد الأوّلية من دول الجنوب بأرخص الأسعار . ـ توظيف الأيدي العاملة الرخيصة في تأمين حاجة المصانع الكبرى منها . ـ إتاحة المجال للاستثمارات الأميركية في تحقيق الحد الأعلى من العائدات . ـ التدخل العسكري في أي بلد من بلدان العالم دفاعاً عن المصالح الأميركية ، وبسطاً للهيمنة عليه . وواضح من ذلك ، أنّ الهدف الأوّل والأكبر من العولمة هو اقتصادي ، ذلك أنّ الاقتصاد هو عصب الحياة ، وأنّ الكثير من الحروب التي تنشب هنا وهناك إنّما المال والأعمال هما اللذان يشعلان فتيلها . وأمّا مظاهرها : ـ فسلخ الجيل الجديد عن معتقداته ومبادئه وقيمه ، وسلب إيمان الشباب بثوابتهم وأصالتهم . ـ استبدال الثقافة المحلية والاسلامية الأصيلة والعريقة ، بالثقافة الأجنبية . ـ إشاعة المفاهيم الخاطئة القائمة على قيم المادة والاستهلاك والمظاهر والتفاخر والتكاثر والربح والخسارة والعنف والابتذال . وأمّا آثارها : في عصر الاتصالات والمعلومات .. تمكّنا من الوصول إلى أقصى نقطة في العالم ونحن قعود في أماكننا لا نبرحها ، فالعملية لا تتطلب أكثر من الضغط على أزرار معدودات ، أو نقرات بسيطة . واستطعنا أن نحصل على المعلومات والتقارير والأبحاث ونتائج الدراسات والرؤى والآراء بيسر وسهولة . واستطعنا أن نجري حوارات كثيرة عبر القنوات المفتوحة والمتاحة ، فذابت بعض الفواصل والعقد والخلافات والرواسب . لكننا ـ في قبال ذلك ـ رحنا نفتقد الكثير من القيم الاجتماعية والأخلاقية التي يفترض أنّها لا تتبدل بتبدل العصر ، لكن طبيعة الحياة التي تضغط عليها المادة من كل اتجاه أفرزت هذا التبدل في طبيعة العلاقات الاجتماعية . فاللقاءات والزيارات المباشرة التي كانت لها نكهة خاصة وأجواء حميمة تستشعر فيها دفء المشاعر وحرارة الموقف وعذوبة المواجهة ، تحولت إلى لقاءات تسمع فيها نبرة الصوت وربّما ترى ملامح الصورة دون أن تسقط بعد المسافة وطبيعة الحواجز من الحساب ، فالدفء الحاضر الحي النابض المباشر تتشرب الأسلاك والأجهزة الكثير من دفئه وحيويته . إنّك اليوم كمن يرى نهراً يجري في فيلم .. تراه بعينيك وتسمع خريره بأذنك وتصدّق ما ترى وتسمع ، لكنه لا يروي ظمأك . وحتى في الأعياد والمناسبات ، أضحى الاتصال الهاتفي أو الرسالة الالكترونية ، أو ورقة الفاكس ـ في ظنّ المنساقين مع أجواء الزهد بالعلاقات الحميمة ـ كافية ومعبّرة وسادّة مسدّ اللقاء الحيويّ . وامتدّ الأمر إلى التجمعات الأسرية في غرف الجلوس وحول المائدة ، حيث رحنا نفتقد فرص الوعظ والارشاد أو مطارحة الهموم والمشاكل ، فلقد تقلصت الأحاديث التي تجتذب الاسماع وتستقطب الاهتمام ، بل انحسرت ـ إلاّ نادراً ـ جلسات السمر والمناقشة والنزهات المشتركة ، فهذا اجتذبه جهاز الكومبيوتر فعاقره .. وهذه اجتذبها الصحن الفضائي فجالسته طويلاً .. والطعام ـ أثناء هذا وذاك ـ ساندويج سريع وجاهز تقضمه الأسنان كما تقضم الماكينة مادة توضع بين أسنانها ، فلم نعد نشعر بلذة الطعام فضلاً عن تذكر نعمته وشكرها . والمكتبة انزوت وتقلّص ظلّها حتى باتت مهجورة ، لأنّ المنافسة بينها وبين مزاحماتها كثيرة ، والصبر على المطالعة بات شحيحاً . ثمّ إنّ مفهوم الثقافة قد تغيّر ، فقد اتسع ليشمل كل شيء ، أي أصبح لكل شيء ثقافته ، لكنه تقلص أيضاً لينحصر في اجادة استخدام الانترنيت والتجول عبر مواقعه وصفحاته ، ونسيان ما دونه . كما أنّ الحاجة إلى المعلم الحيّ الذي تنشدُّ إليه الأسماع والقلوب انحسرت موجتها أيضاً ، فالمعلم اليوم موجود داخل الصناديق ، ما أن تفتح صندوقاً حتى يطلّ برأسه ليعلّمك ، وليس في ذلك بأس ، بل هو يتيح التعلم حتى في البيوت مما يوسّع نطاق التعلم ويطرحه بأساليب عصرية متنوعة ، لكنك أصبحت لا تعيش ـ مع معلمك ـ حميمية التواصل ، ولا تتلقى منه التعليمات والآداب والتربية المصاحبة لعملية التعليم ، فكمّ التعليم اليوم كبير لكنّ كمّ التربية قليل . وبكلمة مختصرة ، فإنّ التقنيات الحديثة أعطتنا الشيء الكثير والنافع ـ ما في ذلك شكّ ـ لكنها أخذت منا أيضاً الشيء الكثير .. والنافع أيضاً ! إنّ رياح العولمة الهابّة من فجاج الأرض تحديداً لا تهددنا فحسب ، بل تهدد الدول الغربية أيضاً ، ولقد ذكرنا كيف أن الانتاج التلفزيوني والسينمائي الأميركي راح يغزو ساعات البث وشاشات العرض في كل من فرنسا وألمانيا بما يزيد على نسبة الـ 70 % هذا مع العلم أن هذه الدول لها انتاجها الخاص أيضاً ، فما بالك بنا ونحن نستورد أكثر مما ننتج ؟! حتى أنّ بعض البلدان راحت تعرض المستورد في مساحة واسعة من بثّها وتقلّده في المساحة المتبقية ! ونسوق على تأثير رياح العولمة بعض الأمثلة ، وهي أيضاً نتاج (التغريب) سابقاً ، وقد جاءت العولمة فعمّقت الهوّة : فلقد أجريت على مجموعة من الطالبات الجامعيات في مصر دراسة حديثة ، طرح عليهنّ فيها السؤال التالي : هل تغيّرت لديك صورة المرأة من خلال الفضائيات أم لا ؟ فأكّدت 22 % منهنّ على أنّ حالة تكرار الشعور بالرغبة الجنسية ، وضعف الالتزام الديني قد ازدادت لديهنّ . وكشفت دراسة أخرى أنّ جرعة الجريمة التي راحت تزداد في عروض الفضائيات زادت في ارتفاع الجرأة على ارتكابها . وكشفت دراسة ثالثة أنّ الطفل من أكبر ضحايا الفضائيات ، لأ نّه يتلقّى الأفكار والمفاهيم بمشاعره لا عقله ، وهو يقلد ويحاكي ولا موازين لديه . لكنّ رياح العولمة لواقحُ أيضاً حتى قال بعضهم : «نشكر الفضائيات العربية والأجنبية التي كشفت الكثير من أوراق الماضي والحاضر .. فقط استمع وحلّل»(4) . ولقد ازدادت الخيارات بين أيدينا ، وحينما تزداد خياراتك تتسع أمامك حريّة الاختيار ، المهم أن لا تدخل إلى عوالم العولمة بذهنية طفلية فارغة ، ولا بذهنية الآراء المسبقة التي تمنع وتحرّم وتكفّر من دون أن تدرس وتبحث وتحلل وتسبر أغوار الأشياء لتعرف إيجابياتها وسلبياتها ، ولقد أعطى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منهجاً في التعامل مع الأشياء في قوله لشاب طلب نصيحته : «إذا أقدمت على أمر فتدبّر عاقبته فإن كان رشداً فامضِ ، وإن كان غياً فانتهِ» ! فالرشد والغيّ هما مقياس الأخذ والترك ، أي المصلحة والمفسدة ، والخير والشرّ ، والحقّ والباطل ، والنافع والضارّ .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|