قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الشباب والعولمة
انفتاح السوق :
منذ أن عرف الانسان طريقة التبادل السلعي والتجاري والمالي ، كان يعمل بأسلوب المقايضة .. أعطيك ما عندي وأعطني ما عندك بما يساوي بين القيمتين . وفي التأريخ الاسلامي ، عرف أهل الجزيرة العربية من قريش رحلات الشتاء والصيف ، فكانت الأولى إلى اليمن والثانية إلى الشام ، لتبادل المنتوجات المحلّية ، وقد ذكر القرآن ذلك (لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) (قريش / 1 ـ 2) . وبقي الحال على هذا المنوال ، رغم ما شهدته التجارة من أساليب متطورة في المقايضة . فما زالت دول العالم كبيرها وصغيرها بحاجة ماسّة إلى بعضها البعض في تبادل العقول والتجارب والخبرات والمعلومات ، أو في تبادل السلع والبضائع والخدمات ، وما زال قول الشاعر سارياً فينا حتى اللحظة : الناس للناس من بدو ومن حضر***بعضٌ لبعض وإن لم يشعروا خرمُ ! فحتى أميركا التي تعتبر الأكبر والأغنى في العالم بحاجة إلى التبادل التجاري مع دول أخرى كالصين ، وبحاجة إلى الأيدي العاملة الآسيوية والأفريقية لإدارة وتشغيل معاملها ومصانعها ، وبحاجة إلى المواد الخام التي تدخل في مختلف صناعاتها . فالدولة التي تقدّم لأميركا مالها أو عقولها أو رجالها أو مواردها الأولية ، تسهم ـ بنحو أو بآخر ـ في العملية الإنتاجية الأميركية ، وأميركا نفسها تفعل الشيء ذاته مع بلدان ودول أخرى ، وهذه هي القاعدة الاسلامية في الانفتاح والتعاطي ، ليس في مجال السوق فحسب ، بل في شتى المجالات (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا )(الحجرات / 13) . والتعارف ليس في مجال العلاقات فحسب ، بل تعارف انتاج وخبرات وتجارة وصناعة وزراعة ومناهج ومعلومات ، أي انّه تبادل المعرفة بكل أشكالها . وإذا كان الحديث الشريف يتحدّث عن ضرورة طلب العلم ولو كان في الصين ، بما تعنيه الصين من بعد المكان وتنوّع المعارف والعلوم ، فإنّ الصين اليوم قريبة ، والتبادل المعرفي متاح لمن أراد أن يستنير . والذين يقولون إنّه لم يعد أحدٌ بقادر على رفع سياج حول بلده لا يقصدون التجارة ، فأبواب وأسواق التجارة مفتوحة ـ حرّة كانت أو غير حرّة ـ لكنهم يقصدون الثقافة ، بشكل محدّد . لكننا ونحن ندرس انفتاح السوق العالمية ، لا بدّ لنا من أن ندرس أيضاً التأثيرات الجانبية لهذه السوق على قيمنا وأخلاقنا وعلاقاتنا كمجتمعات إسلامية . فالسوق اليوم لا تصدّر بضاعة حيادية تماماً ، إنّما تصدّر إلى جانبها بضاعة أخلاقية تحمل سمة وأخلاق المصدّر نفسه . فالدعايات المختلفة التي تروج للبضاعة في التلفاز ، والتي تأتي مرفقة مع البضاعة ، تتصدرها نساء عاريات أو أنصاف عاريات((5)) ، تعبّر عن الإنفلات الأخلاقي للبلد المصدّر حتى وإن برّر ذلك التجّار بأ نّه اسلوب لجلب وجذب الزبائن . والاستغراق في الكماليات واللوازم غير اللازمة ، والانفاق على المشتريات التي يتفنن المروّجون بتزويق أشكالها وألوانها ويغرسون في ذهن المشتري أنّها من مستلزمات الحياة العصرية ، أو انّها من سمات الطبقة الراقية ، تشكل عملية استنزاف ليس مالياً فقط ، بل صحي ونفسي واجتماعي وأخلاقي أيضاً . والديون أو القروض التي في ذمّة دولنا ، وما يترتب عليها من فوائد تصاعدية ، تنخر في ميزانياتنا ، وقد كان بالإمكان تأمين جانب منها من خيرات بلادنا نفسها وانتاج سواعدنا نفسها ، وابداع عقولنا نفسها ، لكن الارتباط بعجلة اقتصاد السوق المرابية والمستغلة والقادرة على الاستنزاف والابتزاز واملاء الشروط الأمنية والسياسية والاقتصادية ، فليس هناك قروض دولية مالية حسنة ، وإنّما هي تبعية وقيود واملاءات . إنّهم يريدون لدولنا أن تبقى سوقاً لتصريف بضائعهم ، ولشعوبنا جمهوراً مستهلكاً لنتاجاتهم ، وقد ارتضت الكثير من دولنا ذلك التقسيم ولم تر فيه (قسمة ضيزى) .. أي تقسيم الدول إلى (منتجة) وأخرى (مستهلكة) الأمر الذي جعل المنتج يتقدم الركب ونحن نلهث للحاق به ، ويقول المهزومون منّا أن لا جدوى من اتعاب أنفسنا فلن نصل أو نلحق بهم فضلاً عن أن نتقدّم عليهم ! إنّ الحلقة المفقودة هي ما يمثله المثل الياباني القائل : إذا قدّمت لي سمكة فقد وفّرت لي وجبة واحدة ، وإذا اصطدت لي سمكتين وفّرت لي وجبتين ، وإذا اصطدت لي ثلاث سمكات فقد وفّرت لي الطعام ليوم ، أمّا إذا علّمتني الصيد فقد وفّرت لي الطعام في كلّ يوم ! إنّهم لا يريدون تعليمنا (الصيد) حتى نبقى في حاجة دائمة إلى (سمكهم) .. إنّهم يقدمون السمك لكنهم لا يقدمون طرق صيده ، وقد يقدمون بعضها ، لكننا نادراً ما نعمل على تطوير أساليب الصيد أو اختراع طرق جديدة خاصة بنا ، وانظروا إلى معاملنا ومصانعنا لتروا أنّها تعمل بـ (ترخيصات) و (أذون) من هذه الشركة العالمية أو تلك . يقول نصّ مسرحيّ : «أعلم أ نّكم لستم بحاجة إلى الهمبرغر والكولا اللذين يتحولان إلى براز وبول في اليوم التالي ، ولا إلى (المارلبورو) الذي يتحول إلى دخان ، بل أنتم بحاجة إلى معامل ومصانع وتقنيات تشغّل شبابكم»(6) !
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|