اسم الكتاب: الشباب والعولمة
الانفتاح الاسلامي :
يعتبر الدين الاسلامي ـ كونه خاتم الأديان الذي أظهره الله على الدين كلّه ـ دين انفتاح ومرونة وتعايش وسلام ، ولعلّه أكثر الأديان تسامحاً وانفتاحاً ومشاركة مع الآخرين «ليس منّا مَن ترك دنياه لآخرته ، ومَن ترك آخرته لدنياه» . ولذا فقد نهى الاسلام عن العزلة والتقوقع والانكماش ، من خلال دعوته لانفتاح المسلم على أخيه المسلم من منطلق «ربّ أخ لك لم تلده أمّك» فهو يؤاخي بين جميع المؤمنين على أساس كونهم اخوة في الإيمان والعقيدة (إنّما المؤمنون إخوة ) (الحجرات / 10) . ويدعو إلى انفتاح المسلم ـ فرداً ومجتمعاً ـ على الأفراد الآخرين والمجتمعات الأخرى من منطلق (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا )(الحجرات / 13) ، للاستفادة من التنوّع البشري علوماً ومعارف وثقافات . وهذه الشبكة الواسعة من الألفة والائتلاف والتعاون فى مجالات الخير والعطاء ، هي روح الدين الاسلامي الذي يفتح ذراعيه للجميع حتى من أصحاب الديانات الأخرى ، بل وعلى مَن يصطلح عليهم بـ (الأقليات) . إنّه ينفتح عليهم بمحبّته ورأفته ورفقه وسلامه تماماً كما ينفتح بذلك على المسلمين أنفسهم ، باستثناء مَن حارب الله وحاربهم ، فذلك هو العدو الذي لا يُسالم . والدعوة الاسلامية إلى مخالطة الناس ، أيّاً كان مذهبهم أو دينهم أو ثقافتهم أو عرقهم أو لغتهم ، دعوة لا حدود لها سوى شرط عدم الإخلال أو الإساءة للانتماء الديني «خالط الناس ودينك لا تكلمنّه» . والكلم في اللغة بمعنى الجرح ، أي لا تجرح دينك ـ في أثناء تعاملك مع الآخرين ـ بكلمة مخالفة له أو بموقف يتعارض معه ، فحدّ المخالطة والمعاشرة وبناء العلاقات هو الإساءة والانتقاص من قدسية الدين ، فكرامة الاسلام أعظم من أيّة كرامة ، وهي كرامة الانسان المسلم أيضاً ، يجب أن تبقى مصونة فلا يُسمح بالاعتداء عليها من قبل الغير ، كما لا يجوز السماح بالاعتداء عليها من قبل المسلم نفسه بأن يذل نفسه لغيره أو يعرض عزّته للاهتزاز . ولقد دعا القرآن الكريم إلى الحوار ومخاطبة الجميع من خلال دعوته لـ (التعارف) أي أنّ آلية التعارف هي الحوار (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أربابا ) (آل عمران / 64) . و (الكلمة السواء) هي ما يصطلح عليه اليوم بـ (النقاط المشتركة) التي يلتقي عليها الجميع ، وما أكثر المشتركات الانسانية والدينية أيضاً بيننا وبين أصحاب الديانات الأخرى ، وفي الحديث : «الناس صنفان : إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق» فهذا مشترك وذاك مشترك ، وبالتالي فلا تجد إنساناً ليس بينك وبينه بعض المشتركات . ومن سمات الانفتاح الاسلامي الكبيرة أ نّه دعانا إلى احترام العهود والمواثيق التي نبرمها مع غير المسلمين من أهل الكتاب (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم ) (الممتحنة / 8) . كما فتح الباب للمصاهرة وإنشاء العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية ، فأجاز للمسلم الزواج بالكتابية ، وقد عدّ هذا واحداً من أساليب التقريب والهداية . وباختصار ، فلسنا ـ كمسلمين ـ انعزاليين نؤثر الانغلاق في دوائرنا الخاصّة ، وإنّما نشعر ـ من خلال تربية الاسلام لنا ـ أنّ الساحة العالمية ، وليست العربية أو الاسلامية هي ساحتنا (وما أرسلناك إلاّ كافّة للنّاس ) (سبأ / 28) .
|
|