اسم الكتاب: الشباب والعولمة
الإفلاس القيمي :
لا نحبّ استخدام مصطلح (الإفلاس الحضاري) فالحضارة القائمة ـ على أنّها مادّية ـ تمتلك من نقاط القوّة والإشراق الكثير التي تجعلنا لا نغمطها حقّها ولا نبخس ناسها أشياءهم . وحينما نتحدّث عن (أميركا) و (الغرب) فإنّنا لا نفرّق بينهما في اتباع واعتناق النزعة المادية في الحياة ، ولذلك فكما جنت هذه النزعة على أوروبا فإنّها ستجني على أميركا أيضاً ، ذلك أنّ المقدمات المتتشابهة تقود إلى النتائج المتشابهة . ولسنا مُغالين إذا قلنا إنّ النزعة المادية في الحياة قد تحيي الانسان بدنياً وتلبّي احتياجاته الحسية ، لكنها تميته نفسياً وأخلاقياً وروحياً . يقول (برجنسكي)((8)) المعروف بتنبئه بالتغيير الحضاري : «إنّ المجتمع المنغمس في الشهوات لا يستطيع أن يسنّ قانوناً أخلاقياً للعالم ، وأنّ أيّة حضارة لا تستطيع أن تقدم قيادة أخلاقية سوف تتلاشى»(9) . ويقول (روجيه غارودي) الفيلسوف الفرنسي المسلم : «الغرب يقودنا إلى الموت ، إنّه المتهم الرئيس ، فإذا قلّدناه فمعنى ذلك أ نّنا سائرون بسرعة نحو الموت .. إنّه انتحار كونيّ» . ويقول قس هولندي متحدِّثاً عن تجربته الشخصية : «لقد وقعت تحت تأثير الخلق الاسلامي وخاصة في العلاقات الاجتماعية ، فالاسلام يوصي بالأقارب والجيران ومحبّة كلّ الناس .. إنّنا في المجتمع الهولندي فقدنا العلاقات الحميمة الصادقة ، وتزداد يوماً بعد آخر المسافة بين أفراده .. إنّني أشعر كأنني في بيتي وأهلي وأنا بين المسلمين» ! هذه الشهادات ـ وهناك الكثير مما لا يسع المجال لذكرها ـ تلخص أزمة العالم وسبيل خلاصه معاً . فإقبال المفكرين والعلماء الماديين على منارات الانبعاث الديني ، وتنامي الاعجاب والتقدير للدين الاسلامي ، في مقابل الشعور المتعاظم أنّ مجتمع الآلة الجامدة والعواطف الباردة لا يحقق أماني الانسان في الأمن والرخاء ، تشير كلها إلى حالة من التآكل الداخلي ، في المجتمعين الأوروبي والأميركي ، من بين أبرز مظاهره : تفشّي الزنا ، اللواط ، الشذوذ الجنسي ، الخيانة الزوجية ، الاعتداء على القصّر والمعوقين ، انتشار مرض الإيدز (فقدان المناعة المكتسبة) ، الحمل سفاحاً وحراماً ، الاجهاض ، تجارة الجنس والمخدرات ، التفكّك الأسري ، ازدياد حالات الانتحار والعنف والكآبة والعقد النفسية المستعصية ، ما يصدق معه قول (غارودي) : «إنّه انتحار كوني» . ويبدو أنّ ما اعتمدته مجتمعاتنا الاسلامية من قيم كمبدأ العفّة مثلاً والذي انعكس على تربية الشبان والفتيات وسلوكهم ، راح الغرب ومعه أميركا يتنبّهون إليه في وقت متأخر ، الأمر الذي يؤكد أ نّهم مقبلون على الأخذ بقيمنا . فلقد أكّدت نشرة (أميركان جورنال أوف سوسيولوجي) انّ 50 % من الفتيات اللواتي يواظبن على حضور القداس الديني يحتفظن بعذريتهنّ حتى سنّ العشرين . وكان الرئيس الأميركي قد وعد بتخصيص مبلغ مالي ضخم من الموازنة السنوية لانفاقه على برامج التوعية والارشاد وتعميم الثقافة الجنسية الهادفة إلى الحفاظ على مبدأ العفّة في أوساط الناشئة . وفي (كيبك) بكندا تأسست حركة باسم (عفّة كيبك) تدعو إلى العفّة والعذرية ، وقد أشاد رئيسها بالفتيات المسلمات اللواتي يحافظن غالباً على العفّة ويتمسّكن بعذريتهنّ إلى يوم الزفاف من منطلق إيماني ومسؤولية الزوجة الصالحة في تربية أبنائها واحترام القيم والمثل الاجتماعية السائدة . كما شهدت بلدان أوروبية أخرى حالة تراجع عن انفصال أبنائها ـ عند البلوغ ـ عن أسرهم ، والبقاء إلى حين الزواج ، وهناك ميل للعودة إلى الأسر الكبيرة من جديد . إنّ الإفلاس القيمي ـ في تصوّرنا ـ هو عامل آخر من عوامل تفتت الحضارات وتلاشيها ، ومدعاة إلى البحث عن المفقود لدى الآخر ، وليس غير الاسلام اليوم ممن يؤمّن هذه القيم ويرعاها .
|
|