منتدى الشباب

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب: الشباب والعولمة


التعامل مع العولمة :

الذين يقولون إنّنا خاضعون لتحولات دولية كبرى لا قبل لنا في تعديلها أو تحويلها ربّما كانوا محقّين لجهة أنّ طاقة تعديل الاتجاه لا بدّ أن تكون بمستوى عالمي أيضاً .
لكننا ونحن نخاطب الشباب المسلم والفتيات المسلمات نستحضر مقولتين : «مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة» و «ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه» . وعلى ضوء هذين المبدأين يمكن أن نحدِّد أصول التعامل مع العولمة ، بما يلي :
1 ـ نحن نعيش حرباً مفاهيمية تسمّى (حرب المصطلحات)، فبعض المصطلحات رجراجة أو مطاطية يمكن لكل طرف أن يشدّها أو يجتذبها نحوه . ومع أنّ المفهوم واضح ومحدّد لكنّ المصالح والأهواء كثيراً ما تتلاعب بالمصطلح فتحرّفه عن موضعه ، فلا بدّ قبل الأخذ به وتداوله من أن نسأل : ما هو المقصود بهذا المصطلح ؟ ما هو المراد منه ؟ ما هي أهداف الذين يطرحونه ؟ وقبل ذلك : مَن هم الذين يطرحونه ، وأيّة جهات ومؤسسات تقف خلفه مروّجة ومسوّقة ؟
فمعرفة الإجابة عن هذه الأسئلة تسهّل علينا الكثير من مهمّة معرفة المصطلح ودلالاته .
فلقد اتّضح أنّ (النظام العالمي الجديد) و (العولمة) هما شكل جديد من أشكال استعمار الشعوب واستغلالها ليس إلاّ .
2 ـ سياسة الأمر الواقع التي تعتمدها بعض الدول المستكبرة سياسة مرفوضة سواء على الصعيد السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي ، لأنها سياسة استلابية ، استضعافية ، ابتزازية ، قمعية مهينة .
وكما أنّ عزّة الفرد في الثقافة الاسلامية محترمة ، فإنّ عزّة الأمّة كذلك محترمة ولا يجوز الاستهانة بها أبداً ، وكما كنّا ـ في السابق ـ وما نزال نرفض الخضوع لسياسة الهيمنة ، أو الهيمنة السياسية ، فكذلك نرفض الهيمنة الثقافية بأيّ ثوب ظهرت .
هناك تفاهم وحوار وتبادل وتكافؤ ، ولسنا مستعدين للعودة إلى عصور الاستعباد والتخلف والتبعية .
3 ـ لا بدّ من ضبط حركة سير العولمة ، فهناك ما يمكن الأخذ به والتفاعل معه والافادة منه ، وهناك ما هو مرفوض جملة وتفصيلاً ، وهناك ما يحتاج إلى تعديل أو إجراء تغييرات طفيفة أو كثيرة عليه .
فليس كلّ وافد أميركي هو نموذجي ولا بدّ أن يُقتدى ، ولا هو الرقيّ الحضاريّ الذي لا رقيّ بعده ، وبالتالي فإنّ المطلوب التريث الحكيم في استقبال الوافد حتى ينجلي ضرره من نفعه ، ومناسبته لثقافتنا وأخلاقنا أو تعارضه معهما .
يقول ول ديورانت في (قصّة الحضارة) : «أكثر الحضارة كماليات» ولا بدّ لنا من مراجعة وفحص مقولته على ضوء الواقع لنعرف الضروري من الكمالي ، أي معرفة ما يجب الانتفاع منه ، وما يمكن الاستغناء عنه .
4 ـ لكلّ شيء أخلاق ، فللسياسة أخلاقها ، وللاقتصاد أخلاقه ، وللثقافة أخلاقها ، وللتقنيات المستوردة أخلاقياتها ، وما لم تضبط حدود هذه الأخلاقيات يتحول العالم إلى غابة آخذة بالاتساع يفترس فيها القوي الضعيف والغني الفقير .
ولنضرب على ذلك مثلاً ، فكشف الصدور والسيقان والأفخاذ والأذرع يمثل ثقافة الانحلال في الغرب ، كما أنّ الستر الشرعي يمثل ثقافة العفّة في البلدان الاسلامية ، وليس صحيحاً ما تقوله بعض الفتيات وبعض الشبّان من أننا نأخذ أزياءهم ولا نأخذ ثقافتهم ، فالثقافة مرتبطة بالأطعمة والألبسة وطريقة التعامل كما هي مرتبطة بالكتاب والفيلم والمسلسل والبرنامج التلفزيوني .
5 ـ التخلّف ليس قدراً .. والضعف ليس وراثة .. والاحساس بالعجز ليس سمة ملازمة لنا ، فالله تعالى يقول : (إنّ الله لا يغيِّر ما بقوم حتّى يغيِّروا ما بأنفسهم ) (الرعد / 11) فقد لا نمتلك الكثير من أسباب وأساليب القوّة ، لكننا نمتلك إرادة التغيير ، أو على الأقل إرادة الرفض
والممانعة والمقاطعة لما هو ضد عقيدتنا وإرادتنا وأخلاقنا وهويّتنا وشخصيتنا .
وقد يسلب بعض أرباب العولمة بعض ثرواتنا ومواقعنا لكنهم لا يستطيعون أن يسلبونا قراراتنا وخصوصياتنا ، فالانسان لا تسلب إرادته وإنّما هو الذي يتخلّى عنها للآخرين ، وتجارب المقاومة (شخصية وجماعية) أكبر شاهد على ذلك .
ولذا فإنّ من أصول التعامل مع العولمة ، أو أي وافد غريب هو استثارة روح المقاومة واستنهاض مكامن القدرة على المواجهة ، كما يفعل الأطباء لمواجهة الأمراض المعدية .
6 ـ العولمة ليست شعاراً يطلق ، وإنّما هي سياسات وخطط واستراتيجيات ونظم ومناهج ، فلا يكفي النفور والاستهجان كمعالجة أو كموقف منها ، بل لا بدّ من ادراك حقيقة تلك السمات بتنشيط حركة الفكر ، وتركيز العقلانية واقتراح الحلول المناسبة .
فالإلمام بدقائق وحدود ومرونة الشريعة الاسلامية ، صمام أمان .. ومعرفة القانون الدولي صمام آخر ، ومعرفة أو قراءة التأريخ وتجارب الشعوب والأمم ، عاصم آخر .
يقول صاحب (قصة الحضارة) ول ديورانت : «ليس بين الحضارة من ناحية والجنس واللون والدم من ناحية أخرى أدنى ارتباط ، ومتى أتيح للشعب المتخلِّف ما أتيح للشعب المتحضّر من عوامل ، نهض ، وبنى ، واخترع ، وابدع ، كما بزّ اليابانيون الأوروبيين في حضارة العصر الحاضر» .
ويضيف في أثر القيم على ازدهار الحضارات : «هذه القيم قاعدة لا بدّ منها للحفاظ على بنية النظام الاجتماعي ، وهي ثمرة تجارب جرّبتها ملايين العقول في مئات الأجيال» .
7 ـ يرى بعض الذين درسوا تأثيرات الحضارة الأميركية وقبلها الأوروبية أننا يجب أن لا نتعامل مع العولمة تعاملين سلبيين : تعامل الانسان الفارغ وتعامل الانسان المبهور . فلنا ثقافتنا وديننا وحضارتنا ومستقبلنا وانساننا الوعاء الذي يحمل ذلك كلّه .
فلا بدّ ـ والحال هذه ـ في التعاطي مع أي إنجاز انساني ثقافي أو علمي أو حضاري من أن تكون لنا حريّة الاختيار والانتقاء واصطفاء النافع المجدي وتنحية الضار والتافه((10)) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com