اسم الكتاب: آفاق الرّحمة وأجواء المودّة
1 ـ الرحمة بالوالدين :
لو فتشت عن سرّ الرحمة التي تعامل بها والديك ، لعرفت أ نّه بالاضافة إلى الرحمة الإلهية المودعة في قلبك البار النبيل ، فإنّك قد أخذت درسها الأوّل من والديك الكريمين الرحيمين بك . فرحمتهما علمتك كيف تكون رحيماً بهما وبالناس من حولك ، فللّه الفضلُ أوّلاً في ذلك ولهما ثانياً. لقد عشتَ الرحمة بشكل عمليّ وأنت تدرج في طفولتك وصباك وفتوتك واستقيتها بالكلمة الدافئة والمعاملة الحسنة والابتسامة الحانية والشفقة الكبيرة كما يستقي الصغير اللبن من ثدي أمّه . وحين بلغ أحدهما أو كلاهما الكبر أتتك دعوة الله بالإحسان إليهما في هذه المرحلة الحسّاسة من العمر ، كما أنت مطالب دائماً وفي كل مراحل عمرهما باللطف والرأفة بهما . (وقضى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه وبالوالدين إحساناً إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيرا )(35) . وقل ربّ ارحمهما كما عانيا في تربيتي ، وكما تعبا وسهرا على راحتي وإسعادي ، وكما بذلا من الجهود المضنية لتوفير احتياجاتي ، وكما قلقا في مرضي وسفري ، وكما دعوا لي في ظهر الغيب وفي أوقات الشدّة والحاجة إلى التوفيق والرحمة ، بل في كلّ وقت ، وكما شقيا ليسعداني ، وكما غرسا ـ في عقلي وقلبي ـ منابع الرحمة . هل يكفي أن تدعو لهما بالرحمة الإلهية ؟! أبداً ، بل أنت مدعوّ للرحمة بهما في القول وفي الفعل وفي العدل وفي البذل و (هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان )(36) ؟! فالكلمة الرقيقة العذبة الدافئة مع والديك .. رحمة . وكلمة الشكر والثناء والتقدير والاعتزاز بما قدّماه .. رحمة . والتصرّف المهذّب الحاني معهما .. رحمة . والدعاء لهما بالخير وطول العمر والعافية .. رحمة . واستشارتهما والأخذ بنصائحهما وطلب رضاهما .. رحمة . والإنفاق عليهما وإهداء ما جادت به نفسك ويدك من خير .. رحمة . إنّ الرحمة بالأم أو الأب قد يكون سبباً لهدايتهما ، أو انتقالهما من حال إلى حال . ولعلّك قرأت قصّة ذلك الشاب النصرانيّ الذي دخل الاسلام وكانت أمّه على دين النصرانية ، فأوصاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمبالغة في رعايتها وإغداق اللطف والإحسان عليها ، حتى إذا لاحظت ذلك ولفت نظرها ، تساءلت : ما عدا مما بدا ؟ فأخبرها ابنها الخبر . فقالت له : إنّ الدين الذي يربّي أتباعه على الرحمة والتراحم لجدير أن يُتّبع ، فأسلمت كما أسلم . أضف إلى ذلك ، أنّ الرحمة بين الأبناء وبين الوالدين تمتد إلى ما بعد الموت أيضاً ، فبإمكانك أن تقضي عنهما ما فاتهما من عبادات ، وأن تصلهما بإهداء الثواب في حج أو زيارة أو ختمة للقرآن أو وقف أو صدقة ، فالبرّ بهما ميّتين كالبرّ بهما حيّين ، ولعلّ حاجتهما إلى لطفك بعد الموت أكثر ، ففي الحديث : «يموت الرجل وينقطع إلاّ من ثلاثة : ولد صالح يبرّه .. » . وفي رواية : «يدعو له» .
|
|