اسم الكتاب: آفاق الرّحمة وأجواء المودّة
5 ـ الرحمة بالأصدقاء والإخوان :
هناك من الصحبة ما يطول فلا يفرّقه إلاّ الموت ، بل يبقى حبل التواصل ممدوداً حتى بعد الموت ، فيما يقدّمه الحيّ منهما لصديقه الراحل من هدايا تصله إلى قبره ، كما كانت تصله هداياه إبّان حياته . وهناك من الصحبة ما يفرّقها أوّل نزاع أو خلاف بسيط أو غير بسيط . وللصحبة الطويلة أسباب منها (التراحم) بين الصديقين الحميمين أو الأخوين العزيزين ، فتراهما يتناسيان إساءات بعضهما البعض ، وتراهما يتقبّلان اعتذار بعضهما البعض ، وتراهما يتعاتبان ـ في حال الجفوة ـ عتاباً رقيقاً يحرص كلّ منهما أن يعيد من خلاله المياه الصافية إلى مجاريها ، خوفاً على علاقة متينة أقوم وأدوم من لحظات انفعال طارئة وإساءات عابرة . إنّ الصفح والتسامح والتصافي بين الإخوان سرٌّ من أسرار الرحمة . ومداراة الإخوان ورعاية مشاعرهم .. رحمة . والبحث عن العذر للأخ أو الصديق المسيء .. رحمة . ووضع النفس في موضع الأخ أو الصديق ، كما لو تقول : لو كنتُ مكانه ماذا كنت أفعل ؟ .. فتعذره لظرفه .. رحمة . وصلة الإخوان والتباذل والتقارب والتهادي وذكرهم بالخير غياباً وحضوراً ، أمواتاً وأحياء ، لمن أجمل صور الرحمة . إنّ عدم سماع قول الآخرين في أخيك ، وردّهم بما يمنعهم من الوقيعة بينك وبينه ، رحمة بكَ وبه وبصداقتكما الغالية . وإنّ إقالة عثرة أخيك ، ومصارحته بأخطائه بينك وبينه ، وبالحكمة والموعظة الحسنة من أجل أن يبقى كما عهدته ، وأفضل مما عهدته ، رحمة يحبّها الله ورسوله والمؤمنون . فلقد أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما آخى بين المهاجرين والأنصار في أوّل عهده بالمدينة المنوّرة ، أن يزرع بذور التراحم والتوادد بين المسلمين ، وقد نجح نجاحاً باهراً ، فكانت الأمّة التي صنعها القرآن بقول الله تبارك وتعالى ، وصنعها الاسلام بفعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خير أمّة أخرجت للناس .
|
|