قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الوسطية هي الطريق
مقدمه
الطفولةُ أيام لعب ولهو ولغو ، كما أنّ الشيخوخة أيام عناء ومرض وشقاء ، أمّا أيام الشباب فهي أيام القوّة والفتوّة والعطاء ، وهي أجمل أيام العمر وأخصب مراحله . ويأتي الشتاء حاملاً برده القارس فننكمش ، ويحلّ الصيف بحرّه اللاّهب الشديد فنكاد نخلع جلودنا ، ثمّ يقبل الخريف بابتسامته الصفراء وخفّيه الصفراوين وملابسه التي تغلب عليها الصفرة .. وبين هذه الصفرة الذابلة ، وذلك الحرّ ، وتلك البرودة ، يهل فصل رائق رائع نقيّ السماء لطيف الهواء ، كثيف الخضرة ، عذب المياه ، يعيد للطبيعة توازنها واعتدالها .. ذلك هو فصل الربيع . وفي الشتاء ، قد تفيض الأنهار وتهدم السدود ، وتجرف في طريقها المزارع والبيوت والحيوان والإنسان . وقد يغزو الجفاف والتصحّر مناطق شاسعة من الأرض ، فتبدو قاحلة ماحلة متشققة تشتكي العطش . والفيضان كارثة .. والجفاف كارثة . أمّا المناخ المعتدل الذي تتساقط أمطاره لتروي عطش الأرض ، وتنثر الخصب في المراعي لينبت الزرع ويمتلئ الضرع ويعمّ الخير.. فهو أمل كلّ فلاّح ، بل كل إنسان يبحث عن الاستقرار والعطاء ، بين الماء والنماء . والنارُ في أوّلها حلقاتُ دخان تعمي العيون ، وفي ختامها رماد هامد خامد ، وبين انبعاث الدخان وموت النار ، تتلظّى جمرات الدفء الذي يتسلّل لذيذاً إلى الأوصال الباردة المرتجفة . والحياة ، في أي جانب نظرت إليها ، لا تعدو أن تكون واحدة من حالات ثلاث : إفراط في شيء ، أي مبالغة فيه ، أو تفريط في شيء ، أي تقصير فيه ، وحالة بين بين ، وهي ما نسمِّيه بالاعتدال . فالبخل مذموم ، والبخيل إنسان يشمئزّ الناس منه ويقرفون . كما أنّ الإسراف والتبذير حالة ممقوتة أيضاً ، فالمبذِّرون إنّما كانوا إخوان الشياطين ، لأنّ الشيطان يسرف في عدوانه على الانسان ، والمبذِّر يسرف في أمواله ، فكأ نّما يعتدي عليها . والعدوان ، سواء وقع على النفس أو على المال أو على الآخر ، فهو تطرّف وتجاوز وتعدٍّ . أمّا الحالة الوسط ، وهي حالة الانسان الذي لا يبخل ولا يبذِّر ، وإنّما ينفق باعتدال ، فهي الحالة التي تعبرُ عن الإتزان في الشخصية (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً )(1) . وهي متوازنة ما دامت لا تنظر إلى المال بأ نّه سبب من أسباب الخلود ، ولا تستهين به فتتعامل معه تعامل السفيه بأمواله . من ذلك كلّه ، فإنّ أفضل ما يمكن أن نعرّف به حالة الاعتدال والتوازن انّها «فضيلةٌ بين رذيلتين» .. كيف ذلك ؟ فالتهوّر في السرعة لدى بعض الشبان ممّن يقودون سياراتهم أو مركباتهم بسرعة جنونية ، أمر مرفوض ذوقاً وقانوناً لأ نّه يؤدِّي إلى مخاطر جسيمة ، كما أنّ البطء الشديد الذي يصل إلى درجة الخوف والتردّد والمحاذرة الزائدة ، مرفوض أيضاً ، لأ نّه كالسرعة السريعة ربّما يؤدِّي إلى حوادث مؤسفة . أمّا السرعة المعتدلة المعقولة والمقبولة فهي التي تحافظ على الأمن العام والسلامة الشخصية ، وتوصل إلى الهدف والمقصد بسلام . والفتيات يعرفن أنّ الطعام يجب أن لا يوضع على نار شديدة حامية فتحرقه ، ولا على نار هادئة جدّاً فتبطئ في نضجه ، فالنار الهادئة المعتدلة هي التي تنتج طعاماً جيِّداً ((2)) . من هنا كانت الحالة الوسطى هي الحالة الفُضلى «خير الأمور أوسطها» ، الأمر الذي يعني أنّ هذه المقولة الأساسية تقدّم لكلّ شاب وفتاة معياراً من معايير الاختيار المناسب ، أي النظرة بين نظرتين : (المغالية) و (المجحفة) . فحينما تقف بين تطرّفين ، ويُطلب منك أن تحكم وتختار ، فإنّك تحكم على التطرف بالرفض ، وتنتقي الحل الوسط الذي هو لا مغالاة مرفوضة ولا إجحاف مرفوض ، ولكن أمرٌ بين أمرين . فالفقر عوز ، ومذلّة ، وحاجة شديدة تصرف الانسان عن التفكير بأيّ شيء سوى الإنشغال بلقمة العيش كهمّ دائم وملازم . والثراء الفاحش ، بطر ، وبذخ ، وتبذير ، وتكبّر ، وتعالى على البسطاء والفقراء ، وربّما إعراض عن ذكر الله . أمّا الحياة الهانئة السعيدة ، فتلك المعيشة المتوسطة التي تكفل للانسان تأمين إحتياجاته الضرورية ، وتكفيه مؤونة الإستدانة والإقتراض ، بما يجعله قرير العين هانئ البال لا يشتكي عوزاً ولا يعاني تخمة أو بذخاً مسرفاً . ونحن هنا لا نتحدّث بطريقة حسابية رياضية هندسية ، تقيس الأمور بالمسطرة ، فالحالة المتوسطة هي حالة بحبوحة العيش وليست الخط الفاصل بين الفقر المدقع والثراء الفاحش ، وإلاّ ما كان الله أمرنا بطلب الرزق والتوسعة فيه .
|
|
|
قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|