اسم الكتاب: الوسطية هي الطريق
إعـادة نـظر :
قد يتصوّر بعض الشبان والفتيات أنّ الغنى حالة ممقوتة دائماً ، وهو تصوّر خاطئ . فالثراء الممقوت هو الثراء الفاحش الذي يشبه ثراء (قارون) الذي كان يخرج بزينته مستكبراً على قومه ، أو كذاك التاجر الثري الذي سحب رداءه بزهو وخيلاء ، لأ نّه لامس شخصاً فقيراً فخشي أن يمسّه من فقره شيء ، فالتفت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذلك ، واعتبر هذا السلوك حالة شيطانية ، أي أنّ الشيطان هو الذي يزيّن لصاحب الثراء أ نّه أرفع مقاماً وأعلى قدراً من سائر الناس . فالثراء المذموم هو الذي يجعل صاحبه بخيلاً مقتّراً على نفسه ومضيّقاً على عياله وأصدقائه والمحتاجين من معارفه وأقربائه وعامّة المسلمين ، وإلاّ ففي الأغنياء من المحسنين مَنْ ينفقون على أنفسهم وأهلهم وفقراء المسلمين ، عملاً بقوله تعالى : (في أموالهم حقّ معلوم * للسائل والمحروم )(3) . والثراء المذموم ، هو الذي يجعل صاحبه يستشعر أنّ ذلك بجهده وقدرته وطوله ، وليس لله في ذلك فضل ولا منّة ، فيبطر ويفجر ، وينسى ذكر الله وشكر الله وقدرة الله ورزقه (يقول أهلكت مالاً لبدا * أيحسب أن لم يره أحد * ألم نجعل له عينين * ولساناً وشفتين * وهديناه النجدين )(4) . لقد آتى الله سبحانه وتعالى سليمان (عليه السلام) ملكاً عظيماً ، لكن هذا الملك لم يُنسِ سليمان ذكر الله وشكره ، بل قال : (هذا من فضل ربِّي ليبلوني أ أشكر أم أكفر )(5) ؟ وفي قبال ذلك ، فإن مقولة إنّ «القناعة كنز لا يفنى» تحتاج هي الأخرى إلى إعادة نظر ، فالله سبحانه وتعالى لا يريد للانسان أن يبقى عند حد معيّن من الرزق لايتجاوزه ، وربّما راح بعض الشبان يردد هذه المقولة لكي لا يتعب نفسه في تحصيل المزيد من الرزق أو الدرجات . إنّ هذا فهم خاطئ لمفهوم (القناعة) . فالقناعة تعني أن تبذل وسعك وقصارى جهدك ، حتى إذا لم تتمكن من تحصيل ما كنت تطمح إليه من رزق ، لسبب أو لآخر ، فلا تهلك أسفاً ، ولا تذهب نفسك حسرات على ما حالت العوائق دون تحقيقه ، واقنع بما نلت مؤملاً نفسك بنوال ما تبتغي في مسعى آخر ومحاولة ثانية ، وجهد أكبر . لقد آتانا الله من المواهب والقدرات البدنية والعقلية ما يجعلنا نحصل على أضعاف ما نحصل عليه الآن ، فلِمَ التستر بشعار (القناعة) لتغطية قصور الهمّة ، وضعف السعي ، وعدم تكرار المحاولة ؟ إنّ القناعة تعني أن لا تلجأ إلى الأساليب المنحرفة والملتوية لتحصيل ما تتمنّى ، فإذا عاقتك الموانع من بلوغ أمنياتك ، فلا تتوسل بالوسائل الرخيصة أو المذلّة أو العوجاء لبلوغها ، وإنّما حاول أن تتدرّع بالقناعة كلون من ألوان الصبر والتهدئة النفسية ، وليس كحالة من حالات التجميد للطاقات العقلية أو البدنية . ومما يحتاج إلى إعادة نظر أيضاً ، هي أنّ الوسطية جميلة في أشياء كثيرة ، ولكن ليست في كلّ شيء ، فليس ـ مثلاً ـ في طلب العلم حالة وسطى ، فالمرء عالم ما طلب العلم ، والله تعالى يقول : (وقل ربّ زدني علماً )(6) فزيادة العلم زيادة في الخير ، ولهذا أوصى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بطلب العلم من المهد إلى اللحد ، حتى لا يقول شاب : هذا المستوى من العلم يكفيني ، لأحصل على شهادة التخرّج من الجامعة وينتهي كلّ شيء ، أو تقول فتاة : إذا نلت شهادة الثانوية فذلك يكفي ، المهم أن لا أكون أميّة . فقد لا نحتاج إلى الدراسات العليا ، أو تحول دون الحصول عليها عوائق معيّنة ، لكنّنا نحتاج بالتأكيد إلى تنمية رصيدنا من العلم والمعرفة والثقافة ، لأنّ الحياة في كلّ حقولها ـ الصعبة المعقدة والبسيطة السهلة ـ تحتاج إلى العلم والمعرفة . فأنت إذا أردت أن تميِّز بين شخصين فإنّ العلم يأتي في مقدّمة العلامات الفارقة والمميزة في أيّهما أكثر علماً (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )(7) ، (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )(8) . و (العمل) في سبيل الله كالعلم لا نرضى منه بالحدود المتوسطة ، لأ نّه مضمار السباق وميدان المنافسة (ليبلوكم أ يّكم أحسن عملا )(9) . و (التقوى) كما العلم والعمل ، كلّما زادت زاد الخير وعمّ الأمان وانتشرت الفضيلة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم )(10) .
|
|