اسم الكتاب: الوسطية هي الطريق
مزايا الوسطية :
1 ـ الوسطية عدل :
تُشبّه الحالة الوسطى بـ (بيضة القبّان) التي تتوسط الميزان فتوازن بين كفتيه حتى لا ترجح كفّة على كفّة . ولمّا كان اهتمام الاسلام بالعدل كقيمة كبرى اهتماماً عظيماً بحيث اعتبره عنواناً بارزاً من عناوين العقيدة الاسلامية ، كان علينا أن نكون عادلين ـ ولو بنسبة معيّنة ـ مع أنفسنا ، ومع أهلنا ، ومع أصدقائنا ، ومع سائر الناس من حولنا ، فكيف يتسنّى لنا ذلك ؟ فحين تعمل في النهار وتستريح في الليل ، لأنّ الله سبحانه وتعالى جعل النهار معاشاً والليل سباتاً ، فإنّك بذلك تكون عادلاً مع نفسك ، فلا ترهقها كلّ الرهق ، ولا تخدّرها كلّ الخدر . أمّا الذين يجهدون أنفسهم بالكدح والعمل لساعة متأخرة ، أو الذين ينامون طويلاً ولا يصحون إلاّ في ساعة متأخرة ، فهم يخلخلون التوازن بين الوقتين : وقت العمل ووقت الاستراحة ، أي أ نّهم يظلمون أنفسهم في الحالين . ولا يعني ذلك تساوي وقتي العمل والنوم ، فقد لا يحتاج الشاب إلى أكثر من ثمان ساعات للنوم ، الأمر الذي يعني أنّ ساحة العمل والعطاء أوسع ، فلا تفهم من الوسطية تقسيم اليوم إلى نصفين ، نصف للعمل ونصف للاستراحة . نعم ، قد يكون العمل ثمان ساعات ، لكنّك تحتاج إلى وقت للتثقيف والتربية والعبادة والعلاقات الاجتماعية ، مما يعني أنّ الاعتدال هنا هو في إعطاء كلّ حاجة من تلك الحاجات وقتاً مناسباً . وحين تأكل الطعام بشراهة ، وتتخم معدتك بألوان الأطعمة ، فإنّك ترهق معدتك وتحمّلها فوق طاقتها مما يؤثّر على سلامتها ودورها في هضم الطعام وتمثيله ، وبذلك فأنت تظلم معدتك ومعها بدنك . وحينما تجيع نفسك فتفرض عليها الصوم أو الإضراب عن الطعام ، فلا تتناول ما يكفي جسمك وطاقاتك وما يناسب عملية النموّ التي تمرّ بها في هذه المرحلة من العمر ، فتبدو خائراً ضعيفاً منهاراً لا تقوى على أداء واجباتك ومسؤولياتك بالوجه الأفضل والأكمل ، فإنّك بذلك تكون قد ظلمت نفسك أيضاً . أمّا إذا تناولت الطعام باعتدال ، فجئته وأنت تشتهيه ، ونهضت منه وأنت تشتهيه ، وكلّما عضّك الجوع تناولت من الطعام ما يعينك على مواصلة العمل ، فإنّك بذلك تكون عادلاً متوازناً في نظامك الغذائي . إنّ الفتاة التي تخدعها دعايات التلفاز وإعلانات الصيدليات التي تغريها باستخدام حبوب التنحيف ، أو أقراص الإحساس بالشبع ، لتتخلص من البدانة ، وإذا بها تصبح فريسة لأمراض أخرى ، ظالمة لنفسها ، ذلك أنّ «الوقاية خير من العلاج» والاعتدال في الطعام هو أفضل وصفة مجرّبة لتخفيف الوزن وترشيق الجسم ، خاصّة إذا رافق ذلك لون من ألوان الرياضة التي تحرق الشحوم الزائدة ، كالمشي والقيام بالأعمال المنزلية . ومثلُ هذه الفتاة ، تلك التي تترك لشهيتها للطعام الباب مفتوحاً على مصراعيه ، فتتناول كلّ ما يقع تحت يديها من أطعمة وحلويات وعصائر سواء شعرت بالجوع أو لم تشعر ، حتى تغدو وجباتها بدلاً من الثلاث أربعاً أو خمساً أو أكثر من ذلك ، ودون أن تصرف طاقة أو جهداً يوازي ما تلتهمه من أطعمة ، فإنّها كذلك تظلم نفسها بإثقال جسدها بالشحوم والسموم والهموم ، ونقول الهموم لأ نّها ستعاني في وقت لاحق من متاعب في أجهزتها الهضمية وغير الهضمية ، ومن البدانة المفرطة التي قد تتعذر على العلاج . وقد ورد في الحديث : «ثلاثة يؤدين إلى الحِمام ـ (وهو الموت) ـ ... وإدخال الطعام على الطعام» . ولذا كانت الرشاقة اعتدالاً جمالياً وصحّياً بين النحافة الزائدة وبين البدانة المفرطة . فالنحافة هيكل عظمي مغطى بغشاء جلديّ ، والبدانة كتلٌ لحميّة فائضة وفوضوية ، وكلاهما في مقاييس الجمال نشاز . وليس الأمر متوقفاً أو محصوراً في النظام الغذائيّ فحسب ، فإنّ الاعتدال والتوازن والوسطية جميلة في الأعمّ الأغلب من الأشياء ، ولذلك اعتبر القرآن المسلمين (أمّة وسطا) لا لأ نّهم كذلك في الأصل ، وإنّما ليربّوا أنفسهم على عدم المغالاة والتفريط في الجانب الروحاني فيهجروا الحياة الدنيا كما يفعل بعض الرهبان ، و «لا رهبانية في الإسلام» ، ولا يستغرقوا ويغرقوا في بحر الحياة الدنيا ومتعها وملذّاتها المادية . ولذا كان شعار الإعتدال عند كلّ المسلمين هو : (وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا )(11) .
|
|