اسم الكتاب: الوسطية هي الطريق
2 ـ الإعتدال الماليّ :
والشبّان اليوم ، وحتى الفتيات ، بين مَنْ يسرف في ماله لا سيما على الأشياء الترفية ، وبين مَنْ يميل إلى البخل حتى على نفسه . والإسراف المالي يشبه عملية حرق المال وإتلافه ، في حين أنّ مجالات الاستفادة من المال في حياتنا كثيرة ، وهناك أولويات للإنفاق ، تأتي الدراسة وتأسيس بيت الزوجية ، وإنشاء مشروع عمل ولو صغير في المقدّمة منها ، ولذا قيل : «القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود» . والتبذير الذي نشهده في الملابس والقمصان والأحذية التي تتكدّس في الخزانة ولم ترتدها الفتاة أو الشاب سوى مرّة أو مرّتين ، ثمّ إهمالها على اعتبار أنّها أصبحت قديمة ، هو هدر للمال ، وهو محرّم . والإنفاق بشكل باذخ مسرف وخارق للعادة على اللهو والملذّات والمآدب والسفرات ، هو إتلاف للمال إذا كان هناك ما هو أهمّ من هذه الأمور ، وحتى مع عدم وجود الأهم فإنّ التبذير في ذلك مذموم ، فالإنفاق ضمن الحدود المعقولة هو دائماً دليل الرجاحة في العقل ، والحكمة في التصرّف والصرف . والبخل ، كما هو التبذير مضرّ أيضاً (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسط فتقعد ملوماً محسـوراً )(22) ، فما فائدة تكديس المال وتخزينه إذا لم ينفق على حاجاتنا الأساسية والضرورية وحتى الترفيهية ؟ أترانا في خدمة المال ، أم أنّ المال هو الذي في خدمتنا ؟! وقد يفرح الشاب إذا راى أنّ ما تجمّع لديه من مال أصبح كثيراً ، ولكنّ لذّة النظر إلى المال ليست كلذّة التمتّع بما يحققه المال . والمال مهما تراكم فإنّه لا يحقق للانسان الخلود (الذي جمع مالاً وعدّده * يحسب أنّ ماله أخلده * كلاّ )(23) . ولو خلّد المال أحداً لخلّد الأمراء والملوك والتجّار الكبار وأثرياء العالم . فأموال (قارون) المكدّسة في الصناديق الضخمة لم تسعفه حين جاءه الأجل . وكم من بخيل مات وانتقلت أمواله إلى غيره ، وربّما بقيت تبعاتها في ذمّته . لقد امتدح الله عباده (عباد الرّحمن) لأ نّهم كانوا اعتداليين متوازنين في إنفاقهم ومصروفاتهم (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً )(24) والقوام هو حالة الإعتدال في الصرف والإدخار .
|
|