اسم الكتاب: الوسطية هي الطريق
3 ـ الإعتدال العاطفي :
في فترة المراهقة والشباب ينمو الجانب العاطفي لدى الشبان والفتيات بشكل ملحوظ ، حيث يتجلّى ذلك من خلال العلاقة مع الأبوين والأصدقاء والمعلمين ، وبين الجنسين . وقد تأخذ العلاقات منحى سلبياً متطرفاً في البغض والحقد والتعصب والغضب والقطيعة ، وقد تأخذ منحى إيجابياً متطرفاً في الحبّ الزائد الذي لا يعبّر عن اتزان عاطفي . فالكراهية الشديدة ، تطرّف قد يقود إلى القتل . والحبّ الذي يصل إلى درجة الشغف والوله ، قد يقود إلى الجنون . والوسطية في العلاقات ـ كما في غيرها ـ هي خير الأمور ، فلا يصحّ أن تعشق إنساناً فترفعه إلى درجة العبادة ، ولا عبودية إلاّ لله . ولا تكره إنساناً فتنزل به إلى الحضيض . فالرفع إلى أعلى عليين ، والخفض إلى أسفل سافلين كلاهما تجاوز للمعقول من العاطفة الذي يعبر عنه الحديث : «أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما» . وكلمة (هوناً ما) هي نقطة الوسط بين تطرفين : بغض شديد يعمي ويصمّ ، وحبّ شديد يعمي ويصمّ . فلا بدّ من مسافة بينية مناسبة بينك وبين حبيبك تشبه تلك التي بين السيارات حتى لا يقع الاصطدام الذي يضرّ بالطرفين ، فإنّ المسافة ـ إن وجدت ـ قلّصت الخسائر إلى حدّ كبير . ودعْ خطاً للرجعة مع مَنْ تبغض ، فربّما عادت المياه إلى مجاريها ، فلا تكون قد أسرفت في البغض بحيث يصعب عليك ترميم العلاقة من جديد ، أو النظر بوجه صاحبك الذي بالغت في خصومته (واهجرهم هجراً جميلاً )(25) ، أي القطيعة التي تفسح المجال للتلاقي مجدداً . إنّ حبّ بعض الشبان والفتيات قد يصل إلى درجة التعصب الأعمى للآخر سواء كان عائلة أو عشيرة أو أبناء وطن أو من الجنس ا لمماثل أو الجنس المغاير . كما يصل ـ في بعض درجات التطرف ـ إلى الانتقاص من الآخرين وازدرائهم ، حتى ليرى شرار قوم أفضل من خيار الآخرين ، وهذه هي العصبية التي وصفها الحديث : «ليس من العصبية أن يحبّ الرجل قومه ، ولكنّ العصبية التي يأثم عليها أن يرى شرار قومه أفضل من خيار قوم آخرين» . لقد رسم أحد الشعراء صورة جميلة للاعتدال العاطفي يجدر بنا أن ننزلها إلى الواقع ، حيث يقول : إذا كنت في كلّ الأمور معاتباً***صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه فعش واحداً أو صل أخاك فإنّه***مقارفُ ذنب تارةً ومجانبه ومَنْ ذا الذي تُرضى سجاياهُ كلّها***كفى المرء نبلاً أن تعدّ معايبه إنّ الآيات التي تتحدّث عن (التطفيف في الميزان) وإن كانت واردة في مجال التعامل السوقيّ ، إلاّ أنّها تشمل العلاقات أيضاً : (ويلٌ للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون )(26) . فالبعض من الشبان والفتيات (يطفّف) في علاقاته مع الآخرين ، والتطفيف خروج عن حدّ الإعتدال ، فهو يريد من الناس أن ينصفوه في تعاملهم حبّاً واحتراماً وتقديراً ، ولكنّه لا يستحضر ذلك كحقّ متبادل للناس عليه ، بل قد ينتقص من أقدارهم بالبخس ، والله تعالى يقول : (ولا تبخسوا الناس أشياءهم )(27) . وفي وصيّة علي (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) : «أحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك واكره له ما تكره لها» . أي اجعل من نفسك ميزاناً تزن به الحبّ والكره لتكون معتدلاً لا تجور ولا تغالي .
|
|