اسم الكتاب: مفاهيم بحاجة إلى إعادة نظر
ما هو المفهوم ؟
المفهوم هو مصطلح تسالم الناسُ على فهم معيّن ومحدّد له ، فأصبح معروفاً في دلالاته لدى المتداولين له بحيث لا ينصرف الذهن إلى غيره . فـ (الصبر) ـ مثلاً ـ يعني في فهم الناس له : القدرة على التحمّل في مواجهة صعوبة أو مصيبة أو مشكلة أو كارثة . ولأنّ الناس حملوا في أذهانهم صورة معيّنة عن (الصابر) وهو الانسان الذي يبتلى بمحنة ما ، ويقف منها موقف المتماسك لا المنهار ، عرفوا أنّ قيمة الصبر هي في مفهومه الدالّ على هذه القابلية في تحمّل نتائج الإنكسار أو الخسارة أو الهزيمة بصدر رحب ، وتسليم تام بقضاء الله وقدره . لكنّنا يمكن أن نميِّز بين صابرين : فلو تعرّض أحد الباعة لصدمة مالية عنيفة ، بأن خسرت البضاعة التي يبيعها ، ثمّ تحمّل الخسارة بروح عالية ، فلم يتذمّر أو يبالغ في الشكوى ، أو يلقِ اللوم على غيره ، فهذا صابر . ولكنّه لو اصطدم بعقبة الخسارة ، وامتصّ زخم الصدمة بعقلانية ، بأن درس أسبابها المؤدّية إلى ذلك ، وقرّر تجاوزها بحكمة وهدوء واستعداد لتحمّل نتائجها مهما كانت ، فهو صابر من نوع آخر . فالصبر الأوّل يمكن تسميته بـ (الصبر) السلبيّ ، أو الحد الأدنى من الصبر . وأمّا الصبر الثاني فهو صبر (إيجابيّ) أو الحد الأعلى من الصبر . وهناك نوعٌ ثالث ، قد يطلق البعض عليه صبراً وما هو بصبر ، وهو ما يمثله ذاك الذي وقع في بئر وراح يصرخ ويستغيث ، فلمّا سمعه أحدهم قال له : اصبر حتى آتيك بحبل لاُخرجك ، فردّ عليه الذي في قعر البئر : صبرتُ أم لمْ أصبر فأنا في البئر ! فهذا ليس صبراً ، وإنّما هو اضطرار ، وهو ما عبّر عنه الشاعر بقوله : إذا لم تكنْ غيرُ الأسنّة مركباً***فما حيلةُ المضطرّ إلاّ ركوبُها نعم ، إذا مرّ وقت ولم يجد الساقط في البئر مَنْ يسعفه ، ثمّ يحاول أن يتشبّث بالأمل وبالنجاة من خلال رحمة الله ، والسعي بإعمال ذهنه في الخروج من المأزق ، فهو خير الصابرين .
|
|