قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: مفاهيم بحاجة إلى إعادة نظر
تشويه المفاهيم :
يقف الاسلام من أيّ مفهوم أحد مواقف ثلاثة : 1 ـ إمّا أن يرفضه تماماً كـ (الدعارة) . 2 ـ وإمّا أن يجري عليه تعديلاً حتى يغدو متناسباً مع المفاهيم الاسلامية كـ (الحريّة) . 3 ـ وإمّا أن يقرّه كما هو كـ (المروءة) لأ نّه من صلب مفاهيمه . فالدعارة وهي الفحش في القول وفي العمل مرفوضة إسلامياً لأ نّها تتعارض مع المنهج الأخلاقي الإسلامي الذي يقوم على عفّة اللسان كما يؤكّد على عفّة الفرج لدى الجنسين . والحريّة في الاسلام ليست كالحريّة في الغرب ، فهي هنا منفلتة وإن وضعت لها بعض الحدود والضوابط البسيطة ، لكنّها في الاسلام حريّة ملتزمة ومسؤولة ، ومدافعٌ عنها من قبل الاسلام نفسه في تحرير الانسان من جميع القيود التي تكبّله . فالاسلام يمنع الانسان من تناول المخدرات لأنّ في ذلك إساءة لشخصيته وصحّته ولعلاقته بالآخرين ، وهذا المنع ليس قيداً ضدّ الحريّة ، وإنّما هو إجراء احترازي لحماية الحريّة ، فالإدمان سواء على المخدرات أو على غيرها قيد يأسر الانسان ، ويحدّ من فعالياته الإيجابية ، وأيّ ضعف يبديه الانسان أمام رغبة جامحة ، أو حاجة مذلّة أو قوّة ضاغطة ، يجعله مقيداً ويقلص من مساحة عزّته وكرامته واستقلاله وحريّته ، وقد أراد الله له أن يكون عبداً له فقط ولا عبودية أخرى أياً كان شكلها . وبمعنى آخر ، فإنّ الحريّة في الاسلام هي الفسحة الفسيحة التي تتحرّك فيها دون أن تجرّ حركتك أيّ أذى نفسي أو جسدي ، شخصي أو اجتماعي ، وبالتالي فما يسمّى بـ (الخطوط الحمر) أو الممنوعات أو المحرّمات في الاسلام ليست كوابح للحريّة ، وإنّما كوابح للعدوان على الذات وعلى الغير . وأمّا إقرار (المروءة) وهي تعبير مرن وواسع عن إنسانية الانسان ، فلأنّ الاسلام هو دين المروءة ، وحينما جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الجزيرة العربية بالدين الجديد ، كانت هناك أمثلة رائعة للمروءة فأقرّها وحافظ عليها ونمّـاها كإكرام الضيف ، ورعاية حقوق الجار ، وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم . لكنّ المفاهيم لا تبقى على حالها دائماً . فهي تتعرّض إلى التشويه والتشويش بين حين وآخر ، فتبدو تارة غائمة ، وتارة قلقة ، وتارة تلبس لباساً مغايراً للأصل ، وهو ما نسمّيه بـ (المفاهيم المغلوطة) أو (المفاهيم الخاطئة) ، ولذلك أسبابه : فقد يكون الجو الاجتماعي أو السياسي الحاكم ضاغطاً في تحريف المفاهيم وقلبها عن مواضعها الصحيحة فتلتبس على الناس ، حتى أنّ شخصاً جاء إلى الإمام علي (عليه السلام) في إحدى المعارك التي وقعت بين فئتين من المسلمين ، وقد اختلطت عليه الأمور وصعب الفرز والتمييز بين مَنْ هم أهل الحقّ ؟ ومَنْ هم أهل الباطل ؟ فقال له : يا هذا ! إنّك لملبوسٌ عليك ـ أي انّ الأمور ملتبسة عندك ـ اعرف الحق تعرف أهله ، واعرف الباطل تعرف أهله ! وقال في موضع آخر : يُعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحقّ بالرجال ، وهذا يعني أنّ مفهوم الحق إذا كان واضحاً في ذهني عرفت مَنْ هم أهل الحق وإن قلّوا ، وعرفت جماعة الباطل وإن زاد حجمها وتكاثر عددها . فإذا تحدّد مفهوم (الحق) في أنّ الله هو الحق وأنّ كلّ ما أنزله علينا هو الحق وكلّ مَنْ أرسله إلينا هو الحق ، كان كل ما هو خارج ذلك ليس بحقّ . وقد تكون النصوص قلقة في أذهان الناس فيفسِّرونها بحسب أهوائهم ووفق أمزجتهم ، فيأتي التطبيق منحرفاً ، لأنّ الفهم كان مشوشاً ولم يقم على دليل قاطع ، وإن استند إلى النصّ . فذاك الذي كان يسرق ليطعم الجياع والفقراء ، يجيب السائل المعترض على فعلته : أنا أتماشى مع منطق القرآن ، فالقرآن يقول : (مَنْ جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومَنْ جاء بالسّيِّئة فلا يجزى إلاّ مثلها )(1) . فأنا حينما أسرق أرتكبُ سيِّئة ، وحين أتصدّق على الفقراء والمساكين أحصل على عشر حسنات ، فإذا طرحت الواحد من العشرة بقي تسعة ، وبالنتيجة أنا الرابح ! فهذا تشويه صريح لمفهوم الحسنة القرآني ، فالله إنّما يتقبّل من المتّقين المحسنين الصالحين الذين لا يخلطون عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً ، والاسلام يرفض الشعار الميكافيلي «الغاية تبرّر الوسيلة» إلاّ في حالات استثنائية نادرة ومحدودة تقتضيها الضرورة أو المصلحة الاسلامية ، فعندما ينقلب العنوان أو يتغير فإنّ الحكم يتغير أيضاً ، فالكذب حرام لكنه في حالات الاصلاح بين الأخوين أو الزوجين مباح ولأنّ المصلحة في الكذب هنا أكبر من المفسدة . وهناك مَنْ يشوّه المفهوم ليعتاش من خلال ذلك ، لأ نّه لو بقي المفهوم سالماً معافى من التشويه لما استطاع أن يرتزق منه ، كمن يعتبر (الشطارة) والذكاء والدهاء هو أن يتلاعب بعقول ومشاعر الناس ، ويستدرجهم إلى حيث ما تهوى مآربه ، ويبتزهم بالخداع والمكر والتمويه . وربّما يشوّه المفهوم من خلال تجريده عن التطبيق ، أي أن تكون صورته في الذهن غير صورته التي في الواقع . فـ (العدل) مفهوم إسلامي اصيل ، ولكنّ البعض من الناس يرى انّه المساواة ، والحال أنّ كلّ مساواة عدل ، وليس كلّ عدل مساواة . فالعدل أن لا يتساوى عندك المحسن والمسيء ، فإذا وجد المحسن عندك المكافأة ، والمسيء العقوبة ، فأنت عادل ، أمّا إذا ساويت بينهما في المكافأة ، أو في العقوبة فقد ظلمت أحدهما في الحالين .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|