اسم الكتاب: اقتدِ .. وكنْ قدوة
القدوة الصغيرة :
قد يتبادر إلى الذهن أنّ الإقتداء يحتاج إلى فارق في السنّ ، أي أنّ الكبير ـ حسب هذه النظرة ـ لا بدّ أن يكون بالضرورة قدوة للصغير . للوهلة الأولى قد تبدو هذه النظرة صحيحة ، باعتبار أنّ الكبير يحمل ثقافة أوسع ، وتجربة أغنى ، وفهماً للحياة أفضل . لكنّ تلك ليست قاعدة جامدة . فبإمكان الطفل أن يكون قدوة للكبير ، ففي الأطفال مَنْ عقله وتدبيره أكثر من بعض مَنْ يفوقونه سنّاً ، ولذلك تراه يقود غيره من الأطفال بحنكة . وبإمكان الشاب أن يكون قدوة لإخوانه الكبار بل لوالديه أيضاً . وبوسع الفتاة أن تكون قدوة صالحة لأخواتها اللاّتي يكبرنها ولأمّها أيضاً . وحتى يكون أحدنا قدوة لمن هم أكبر سنّاً منه يحتاج إلى : ـ أن يتوافر على نصيب لا بأس به من شروط القدوة الصالحة التي ذكرناها في المقدّمة . ـ أن لا يشعر بالتعالي والغرور على المقتدين به ، بحيث يداخله شعور أ نّه أفضل منهم وأ نّهم أقلّ منه ، فمن مواصفات القدوة الصالحة أنّها متواضعة ، كلّما ازدادت علماً وفقهاً ودراية بأمور الحياة ، خفضت جناح الذلّ ، لأنّ المقتدي دقيق الملاحظة ، وهو لا يقتدي اعتباطاً أو جزافاً أو دون دراسة ودراية ، بل يقرأ ـ إذا جاز التعبير ـ شخصية القدوة قراءة جيِّدة ، فإذا اقتنع أنّها تصلح قدوة له في فكرها وأخلاقها وسلوكها انجذب إليها ، وأوّل ما يلفت نظره إليها تواضعها رغم ما تحمل من فكر نيِّر ، وخلق حميد ، وسلوك مستقيم ، ومزايا لا يتصف بها غيرها . وإليكم المثل التالي : يقول فتى صغير عن تجربته مع أبيه : كنتُ طفلاً يتيم الأم .. وكنت الوحيد لأبي .. وكان يحبّني حبّاً جمّاً ، ولكنّه كان يتعاطى الخمر ، وكنتُ مستاءً ومتألماً ومتضايقاً لذلك ، ففكرت في الأمر طويلاً ، وكان السؤال الذي يشغلني هو : كيف أستطيع أن أجعل أبي يترك معاقرة الخمر ؟! وذات يوم اهتديت إلى الحلّ . قلتُ في نفسي إنّ أبي يحبّني ، فلِمَ لا أدخلُ إليه من هذا المدخل حتى أتمكّن من إقناعه بما أريد منه ؟ وكنتُ آنذاك قد تعلّمت الصلاة من قبل معلّم التربية الدينية ، وكنّا ـ أنا وبعض زملائي وأصدقائي ـ نرتاد المسجد القريب من بيتنا لنصلي فيه ، ولم يكن أبي يمنعني من ذلك ، فاعتبرت عدم وقوفه في طريق صلاتي علامة إيجابية أخرى لصالحه ولصالحي . وجاء يوم الحسم ، فبينما أنا أتوضأ وأهمّ بالخروج إلى المسجد لاحظت أنّ أبي يراقبني ويطيل النظر إلى ما أفعل ، ومع أ نّه يعرف إنّني أتهيّأ للخروج إلى الصلاة ، لكنّه سألني : ـ إلى أين تريد الذهاب يا ولدي ؟ قلت له : إلى المسجد لأداء الصلاة . فسكت وأطرق خجلاً ، لكنّني استثمرت هذه الفرصة لأخرجه من خجله، فقلت له : ما رأيك يا أبي لو نذهب اليوم إلى المسجد سويّة؟ فارتبك واحمرّ وجهه ، ثمّ قال متلعثماً : ها .. إن شاء الله .. في المرّة القادمة . لكنّني اعتبرت ذلك إشارة مشجّعة ، فقلت : وما المانع من الذهاب الآن ؟ قال : لا .. ليس قبل أن أتطهّر وأنظِّف ملابسي . ولكي أقطع عليه سبيل التردّد ، قلت : اذهب وتطهّر وأنا بانتظارك . فلم يرَ بدّاً من الرضوخ والإستجابة إلى طلبي ، وبالفعل فقد جرت الأمور كما أشتهي . بعد هذه التجربة الناجحة ، كنتُ أقول لنفسي ربّما يعود أبي إلى عادته بدون علم منِّي ، فلاُجرّب معه تجربة أخرى . فكنتُ أضعُ له برنامجاً يشغله عن التفكير بالهموم ، فمرّة اصطحبه إلى المتنزه العام ، وتارة أمارس معه بعض الألعاب والهوايات ، ومرّة أعرض عليه أن يعلّمني شيئاً ما ، ومرّة أطلب منه أن يحدّثني عن تجاربه ، وتارة أخرى نذهب إلى المكتبة العامّة لننتقي بعض الكتب لقراءتها والحديث حولها ، وأحياناً نستمع معاً إلى محاضرة وعظية مسجّلة على شريط ، وبذلك شغلت وقتَ أبي بحيث لم يعد يفكّر في الخمر ! ويقول الأب عن تلك التجربة : الفضل في تركي لمعاقرة الخمرة هو لولدي الصغير الذي كان قدوتي الصالحة ، فلقد تعلّمت منه الطهارة والنقاء والأمل والعودة إلى الصواب ، وإلى ما هو أهم من ذلك كلّه .. العودة إلى الله تبارك وتعالى . وأنت أيضاً بإمكانك أن تفعل ذلك . أن تكون قدوة لغيرك من الكبار في المحافظة على مواعيد الصلاة ، وعلى الصدق في التعامل ، والوفاء للأصدقاء ، وفي أداء الواجبات على أكمل وجه ، وفي اجتناب السيِّئات والإساءات ، وفي المسامحة والعطف ، وفي التثقيف الذاتي ، بل وفي كلّ شيء . إنّ الكبير في سنّه مطالب بأن يكون قدوة لمن هم دونه في السنّ . لكنّ الصغير الذي يجعل من نفسه قدوة هو في منزلة كريمة عند الله .
|
|