اسم الكتاب: فـنّ النقـد
ماذا تفعل المرآة ؟
فبالاضافة إلى أنّها ترينا مظاهرنا كما هي ودون أيّة مجاملة أو مداهنة ، فإنّ لها لساناً ناطقاً يقول : هذا جميل وهذا غير جميل ، وهذا وسخ وهذا نظيف ، وهذا مقبول وهذا غير مقبول ، وهذا رث وهذا جديد .. فشهادة المرآة معتدٌّ بها .. لأ نّها صادقة ولأ نّها لا تكنّ لأحد عداء إذا كشفت عيبه ، ولا تكنّ له مودّة إذا أظهرت حسنه . هذا هو حال المرآة السوية الصحيحة السليمة . أمّا إذا كانت صدئة ، أو ملوّثة ، أو مشوّهة ، فإنّها لا تريك وجهك كما هو ، لأنّ الصدأ يحجب ما في الوجه من حسن ، وربّما يزيد في قبحه إن كان قبيحاً((1)) . والمرايا ـ كما هو معلوم ـ أشكال وأنواع ، فإذا كانت المرآة مقعّرة أو محدّبة ، مصغّرة أو مكبّرة ، فإنّها لا تظهر شكل الذي يقف قبالتها إلاّ مشوهاً ممسوخاً وكأ نّه تعرّض إلى حادث مؤسف قلب ملامحه . وفي المحصّلة فكيفما تكون المرآة تكون الصورة ، ولهذا جاء الحديث الشريف يشبّه المؤمن بأ نّه مرآة أخيه المؤمن ، وبالطبع فهو يريد المرآة السويّة المستوية لا المرآة المشوّهة المكبّرة أو المصغّرة ، أي أنّ المؤمن مسؤول عن نقل الصورة كما هي بلا تحريف ولا زيادة ولا نقصان ، فإن رأى ما يسرّه من أخيه قال ذلك بصدق بعيداً عن التملّق والمجاملة ، وإن رأى ما يسوؤه منه فلا يتردد أو يسكت أو يكتم ذلك في نفسه . والمرآة ـ بعد ذلك ـ كتومة إذا رأت منك ما يشين فإنّها لا تنقل ذلك للقادم الذي يأتي بعدك لتقول له إنّها رأت في وجهك هذا العيب أو ذاك ، وهذا ما يجعلك تحبّ المرآة لأ نّها لا تحبّ الوشاية . والأهم من ذلك أنّ المرآة بلا ذاكرة ، فهي لا تدوّن في ذاكرتها الصور القديمة ، وإنّما تُظهر لك دائماً ما هو آني ومباشر ، فإذا سبق لها أن رأت فيك عيباً ونبّهتك إليه في حينها ، فإنّها لا تعاود التذكير به ثانية وثالثة لئلاّ تجرح إحساسك . فإذا جئتها لاحقاً وقد أصلحت من عيبك فإنّها تقوّم شكلك بعد الإصلاح وتنسى منه ما كان قبله ، وهذا سبب آخر يجعلنا نحبّ المرآة . المؤمن إذن كالمرآة .. لا يفضحك أمام الآخرين ، ولا ينشر ما يراه من عيوبك بل يتكتم عليها .. إنّه يصارحك بها لكنّه يكتمها عن غيرك وكأنّها سرّ من الأسرار التي لا يجوز فضحها أو كشفها إلاّ لمن اطّلع عليها . بقي أن نقول ، إنّ المرآة لا تكشف فقط محاسن أو قبح المظهر الخارجي من وجه وزينة وشعر ولباس ، وإنّما تُظهر جمال وقبح ما نقوم به من حركات أيضاً ، فإذا وقفت أمامها متزناً فإنّها لا تتحيز ضدّك وإنّما تظهر اتزانك ووقارك كما هو ، وإذا وقفت إزاءها ورحت تقوم بحركات بهلوانية ، فإنّها لا تبقى على الحياد ، بل تقول لك إنّك أصبحت مثيراً للسخرية . وهكذا تفعل المرآة الثانية : أخوك الذي يصدقك القول في الدين ، فإذا خطر لك أن تكذّب المرآة وتخرج على الناس من غير إصلاح لهندامك فإنّك ستقرأ انتقادهم في عيونهم ، وعندها لا تلوم إلاّ نفسك . حديثُ المرآةِ هذا ، هو حديث النقد والنصيحة والتسديد .
|
|