اسم الكتاب: فـنّ النقـد
النقد الذاتي :
المراد بـ (النقد الذاتي) نقدك لنفسك بنفسك ، فأنت حينما تتردد على المرآة بين الحين والحين ، تتفرّس في عيوبها وثغراتها ونواقصها لتصلح ما يمكن إصلاحه من قبل أن تخرج إلى الناس وقد تركت تلك العيوب على حالها فلا يسكتوا عن انتقادك . هذا يعني أ نّك أوّلُ ناقد لنفسك ، وبقدر ما تكون دقيقاً وصريحاً معها تتقلص دائرة النقد الخارجي ، فالناس ينتقدونك إذا أهملت نفسك ، أمّا إذا كنت قد هذّبتها جيِّداً ، وتعبت في تربيتها جيِّداً ، فإن ذلك سيكون موضع ثناء الناس وليس انتقادهم . إذن ، القاعدة الأولى في النقد هي : ( انقد نفسك بنفسك ) . والنقد الذاتي ـ في حقيقته ـ مظهر من مظاهر (جهاد النفس) الذي يسمّى بـ (الجهاد الأكبر) ولذا جاء في الحديث : «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا ، فإنّ الناقد بصير» . أي أنّ الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية ، وهو مطلع على السرائر كلّها (ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد )(2) . فالله (ناقد بصير) يعلم السرّ وأخفى ، فقد تظهر للناس بمظهر مغاير لحقيقتك ، وقد تخذلهم فيصدقوك ، لكنّك في هذه اللحظة بالذات التي تخدع فيها الناس تقف مكشوفاً تماماً بين يدي ربّ العالمين . وهذا هو الذي يجعل (المؤمن) (التقي) (الصالح) يراقب (الكاميرا الخفيّة) دائماً لأ نّه يقول ـ في حالة نقد ذاتي ـ إذا لم أكن أرى الله فالله عزّ وجلّ يراني ، فيستحي منه في (الخلاء) أي في الخلوة والانفراد كما يستحيه في (الملاء) عندما يكون بين الناس ، ومَنْ لم يعمل شيئاً في الخفاء يخشى منه في العلانية عاش آمناً مطمئناً وسعيداً . وفي الحديث الشريف : «ميدانكم الأوّل أنفسكم إن قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر ، وإن عجزتم عنها كنتم عن غيرها أعجز فجرّبوا معها الكفاح أوّلاً» . هل تريد أن تعرف مدى قدرتك على النجاح الميداني وعلى تحقيق أكبر الانتصارات ؟ أمامك نفسك ، وهي تحت تصرّفك ، هل تستطيع أن تلجمها ؟ هل تستطيع أن تحاسبها كما تحاسب شخصاً غريباً ؟ هل تستطيع أن تكون معها صريحاً في جلسات المكاشفة الذاتية فلا تخفي عليها شيئاً ؟ أنت الفائز الأوّل في هذا السباق . يقول أبو ذر: قلت:« يا رسول الله ! أيّ الجهاد أفضل ؟ قال : أن يجاهد الرجل نفسه وهواه » . وعن علي (عليه السلام) : «املكوا أنفسكم بدوام الجهاد» .
|
|