اسم الكتاب: فـنّ النقـد
أطلب النقد :
النقد الذاتي أهم أنواع النقد وأكثرها تأثيراً ، لأ نّك أعرف الناس بنفسك وبعيوبها ومواهبها وبما يصلحها أيضاً ، فإذا (انتقدتها) أو حاسبتها قلّصت حجم النقد الخارجي وما قد يسببه لك من خدوش أو جروح نفسية ، ووفرت حالة من الحصانة من خلال تطوير وتحسين وضعك وإمكاناتك . وهناك نقد آخر مهم أيضاً ، وهو النقد الذي تسعى أنت شخصياً للحصول عليه ، أي تطلبه بنفسك ممّن هم أهل للنقد والتسديد والنصيحة ، فأنت ترى نفسك بمرآة نفسك لكنك تبحث عن عيوبها ومثالبها في مرايا الآخرين . فقولك لشخص أو صديق مؤمن مخلص : انقدني ، أو سدّدني أو انصحني يعني بالاضافة إلى استعدادك لتطوير نفسك وتفادي أخطائها ، أ نّك متواضع لا تعيش التعالي والاستنكاف عن طلب النصيحة . فبعض الشبان يتصورون انّهم قد كبروا وأصبحوا فوق النقد ، حتى إذا انتقدهم أحد الأبوين قال قائلهم : لم أعد صغيراً .. أنا لست بحاجة إلى نصيحة أحد ! أمثال هؤلاء يغلقون ـ للأسف ـ باباً يأتي منها الخير بوجه مَنْ يحمل إليهم الخير ، ولذلك تراهم يقعون في الأخطاء ويكررونها لأ نّهم رفضوا النقد وأغلقوا مسامعهم عن النصيحة ، وفي الحديث الشريف : «المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله وواعظ من نفسه وقبول ممّن ينصحه» . فالواعظ من النفس هو (النقد الذاتي) وقبول النصح هو (النقد يأتي من الآخرين) ولذا فإنّ الترويض على قبول النقد والنصيحة والمبادرة إلى طلبهما ، أهون من النقد يأتي تطوّعاً من الآخرين ، ولذا قيل في الأمثال : «لا تقدّم النصائح إلاّ لمن يطلبها» لأ نّه حينذاك يشعر بالحاجة الماسّة إليها ، وعندما تشعر بالحاجة إلى شيء فإنّك تتفاعل معه وتتعاطاه أكثر مما لو يعرض عليك وأنت مُعرِضٌ عنه . فحينَ تثق بدين شخص وعلمه وثقافته وتجربته الحياتية العملية ، اتخذ منه ناصحاً وناقداً ، قل له بصريح العبارة : أنا أدعوك لأن تنقدني ، وسأكون شاكراً لكلّ ما تنصحني به أو تؤاخذني عليه ، فأن تكون أنت مسددي ومرشدي إلى الصواب أفضل من أن أكون هدفاً لنقد الناقدين . ولأجل تحبيب النصيحة إلى القلب ، قيل : ـ (احبب مَنْ ينصحك لا مَنْ يمدحك) . فالنصيحة أو النقد تهدي إلى الصواب والتنمية ، أمّا المدح فقد يجعلك تراوح مكانك . ـ (النصيحة كالدواء كلّما ازدادت مرارتها كانت أفضل) . ودونك تجربتك الشخصية ، فأنت تتذكر المواقف التي أخطأت فيها ووجدت مَنْ ينصحك أو ينقدك بصراحة تامّة ، أكثر من تذكرك المواقف التي حصلت فيها على الاستحسان والثناء ، بمعنى أنّ النقود الصريحة تصبح بمثابة المعلّم الدائم الذي يحذّرك من الوقوع في الخطأ السابق أكثر من مرّة . ـ (نصائح الشيخوخة تضيء دون أن تحرق مثل شمس الشتاء) . فقد تستثقل نصيحة أخيك الذي في مثل سنّك ، لكنّك لا تجد حرجاً في قبول نصيحة كبار السن لأ نّك تتعامل معهم على أ نّهم حصيلة تجارب طويلة ونصائحهم هي رشحات من تلك التجارب . ـ (مَنْ قَبِلَ النصيحة اجتاز الجبل ، ومَنْ لم يقبلها أخطأ الطريق حتى في السهل) لأنّ الأوّل تحرك بعلم وهدى وبصيرة ، أمّا الثاني فقد تكبّر على الناصح والنصيحة وركب رأسه وظنّ أ نّه على صواب فأخطأ . ـ (حبّة الماس لها ثمن ، أمّا النصيحة الجيدة فلا ثمن لها) . فربّ نصيحة ثمينة ، أو نقد موضوعي سمعته في مطلع حياتك يبقى ملازماً لك حتى آخر العمر . وعلى ذلك ، فإنّ القاعدة الثانية للنقد الذاتي هي : (لا تقل .. أنا أكبر من النقد وأعلى من النصيحة .. وبادر لطلبهما) . كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وهو خليفة المسلمين ، يخاطب رعاياه ويقول لهم : «لا تظنّوا بي استثقالاً في حقّ قيل لي ، ولا التماس إعظام لنفسي ، فإنّه مَنْ استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يُعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه ، فلا تكفّوا عن مقالة بحق ولا مشورة بعدل» .
|
|