اسم الكتاب: فـنّ النقـد
النقد التطوّعي :
وقد يتطوّع الآخرون لنقدك من دون طلب منك احساساً منهم بالمسؤولية الشرعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فأنت مسؤول عن الآخر والآخر مسؤول عنك في ظلّ هذه الفريضة العظيمة ، ولذلك انتقد القرآن اليهود وذمّهم لأ نّهم (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون )(9) . والنقد هنا نقدان : 1 ـ نقدٌ بنّاء . 2 ـ نقدٌ هدّام . نقدٌ يأتي من حبّ وحرص وإخلاص وتقدير للمسؤولية الشرعية ، ونقد يأتي كشماتة وانتقاص وتقريع وتوبيخ و «كلّ إناء بالذي فيه ينضح» . فكيف تتعامل مع النقدين ؟ (النقد البنّاء) هو بالنتيجة مطلبك ، وأنت تسعى إليه ، وحتى لو لم تكن تسعى إليه وجاءك عرضاً إلاّ أ نّه يصبّ في مصلحتك . ففي الحديث : «مَنْ بصّرك عيبك فقد نصحك ، ومَنْ ساتر عيبك فقد غشّك» . فإذا كنت تطمح إلى تطوير شخصيتك فكن مستعداً لنقد الآخرين الذين يريدون بك خيراً ، وينقدونك بموضوعية وتجرّد ، وقد قيل : «الصراحة قد تجرح ولكنها تهدي» فهي أشبه بوخز الحقنة الطبية يؤلمك وخزها ويشفيك دواؤها . أمّا (النقد الهدّام) أو الجارح أو التسقيطي الذي ينفخ في الأخطاء ويضخّمها ويفتح الدفاتر القديمة ويسوّد صفحتك أمام الآخرين ، فأمامك أحد خيارين في التعامل معه : 1 ـ إمّا أن تردّ عليه ردّاً مفحماً يجعل صاحبه يتراجع أو يقف عند حدّه . 2 ـ وإمّا أن تتجاهله ، لأنّ النقد الذي يتخذ صفة التجريح والتشريح والسباب والشتائم ، ليس نقداً بل هو (حمق) وقد قيل في علاج ذلك : «سكوتك بوجه الأحمق أفضل صفعة توجهها إليه» ، خاصة إذا كنت تأمن من نفسك أ نّك لست كما يقول القائل . فهناك الكثير من الحسّاد والمتحسسين والحانقين والحاقدين والمتأزّمين المحتقنين الذين ما إن يروك حتى ينفجروا بوجهك كأ نّهم قنابل موقوتة ، والإعراض في مثل هذه الحالات أفضل الحلول وأسلمها . يقول تعالى : (واعرض عن الجاهلين )(10) ، ويقول : (والذين إذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً )(11) ، ويقول : (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما )(12) . وطالما أ نّنا في صدد النصيحة والنقد والتسديد ، فالنصيحة توجّه لأمثال هؤلاء ولكلّ الناقدين الذين يرون في الخطأ الذي يرتكبه شخص جناية عظمى فيهجمون عليه بسهام نقدهم حتى يثخنوه بالجراح . يقول علي (عليه السلام) : «المسلم مرآةِ أخيه ، فإذا رأيتم من أخيكم هفوة فلا تكونوا عليه إلباً ، وكونوا له كنفسه ، وأرشدوه وانصحوا وترفّقوا به» . أي لا تنقضّوا عليه انقضاض الصقر على الفريسة ، بل ساعدوه على أن يتجاوز عثرته ، وقال أيضاً : «اقيلوا ذوي المروءات عثراتهم» . وسنأتي إلى الطرق اللطيفة المحببة التي يمكن أن نوجه بها نقدنا ونصيحتنا للآخرين . وعلى ضوء ذلك ، فإنّ القاعدة النقدية الثالثة ، هي : (وطّن نفسَك على قبول النقد التطوّعي .. وقبل أن تدافع راجع) .
|
|