اسم الكتاب: فـنّ النقـد
5 ـ النقد بالاعتراف :
وهذا اللون من النقد هو فرع من فروع النقد الذاتي ، أي انتقاد الذات من خلال الذات ، ونموذجه الاعترافات الصريحة في الدعاء والتضرّع والانكشاف التام أمام الله سبحانه وتعالى ، وهذا نموذج من نماذج عديدة : «إلهي ! ... فلمْ أرَ مولىً كريماً أصبرَ على عبد لئيم منك عليَّ يا ربّ ، إنّك تدعوني فأولّي عنك ، وتتحبّب إليَّ فأتبغّض إليك ، وتتودّد إليَّ فلا أقبل منك كأنّ لي التطول عليك ، فلم يمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسان إليَّ ، والتفضّل عليَّ بجودك وكرمك ، فارحم عبدك الجاهل ، وجد عليه بفضل إحسانك ، إنّك جواد كريم» . فالأدعية الاعترافية بالذنوب والمعاصي بين يدي الله تطرح نقاط السلب بقوة نقدية لمثالب النفس ومعايبها . ولذا جاء في الحديث : «المؤمن نفسه ظنون عنده» أي أ نّه يتهم نفسه دائماً ، وذلك هو قوله تعالى على لسان زليخا امرأة العزيز : (وما أبرِّئ نفسي إنّ النفس لأمّارة بالسُّوء إلاّ ما رحم ربِّي )(14) . انّها لا تكتفي بنقد زوجها لها ، أو نقد النساء الأخريات ، أو نقد الملك في جلسة القضاء التي اعترفت فيها زليخا بخطئها ، وإنّما تنقد نفسها بنفسها . إنّ الأدعية التي تقدّم اعترافات الخاطئين المذنبين ، تقول لك : لا تزكِّ نفسك ، بل انقدها وحاسبها حساباً عسيراً (فلا تزكّوا أنفسكم هو أعلمُ بمن اتّقى )(15) . قيل للحكيم (ذيوجانس الكلبي) الناسك : ـ منذ كم بدأت تكسب الفضائل ؟ قال : مذ بدأتُ بتوبيخ نفسي ! أي بنقدها نقداً جريئاً وصريحاً ، وتصوّر صحيح لما هو الصواب وما هو الخطأ .
|
|