اسم الكتاب: كيف تحمي نفسك من الغضب ؟
د . السباب والشتائم :
على طول الخط لم تكن الشتائم إلاّ صورة قبيحة أو نسخة رديئة عن شخصية الشاتم غير المتطرّف((2)) ، إنّه يعجز عن المصارحة والمكاشفة والنقد الموضوعي ، وعن التأنيب المؤدّب الذي يوصل الرسالة الغاضبة لكنّه لا يستخدم المفردات البذيئة . إنّ السباب يجرّ إلى السباب ، والشتيمةُ تولد شتائم أعنف وأقسى ، وإذا التقى الغضبُ الجامح والغضبُ الطافح فاحتمال إطفاء النار ضعيف ، وهذا هو السبب الذي جعل القرآن ينهى عن سبّ المشركين (ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدواً بغير علم )(3) . كما نهى علي بن أبي طالب (عليه السلام) أصحابه وجنده في (معركة صفين) من أن يكونوا سبّابين للسبب نفسه ، لأ نّهم بسبابهم سوف يستثيرون حقد وغضب وانتقام الطرف الآخر ، ولذلك فإنّه حاول أنّ يوجّه غضبهم الوجهة الصحيحة ، فقال لهم : «إنِّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين ، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم ، وذكرتهم حالهم ، كان أصوبَ في القول ، وأبلغَ في العذر ، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم : أللّهمّ احقن دماءنا ودماءهم ، واصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحقّ من جهله ، ويرعوي عن الغيّ والعدوان مَنْ لهج به» . إنّها ليست طريقة تهذيب في النقد ، بل طريقة ذكيّة في امتصاص الغضب ، لأ نّها ـ أي النصيحة ـ تقدّم اسلوباً جميلاً في تصريف طاقة الغضب والسباب وتحويلها إلى ما هو إيجابي . وقد قيل : «إنّ الشتيمة تعاقب نفسها» حتى أنّ علياً (عليه السلام) كان يسير ذات يوم مع خادمه (قنبر) فشتم أحدهم قنبراً فأراد أن يردّها واحدة بواحدة إثر الحاح الغضب عليه ، فقال له علي (عليه السلام) وقد قرأ الامتعاض على وجهه : دعه ، فقد عاقب نفسه ، أي أ نّه أساء إلى نفسه باستخدام البذاءة والكلمات النابية .
|
|