قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الحسد .. جذوره وعلاجه
مقدمة
لكلٍّ منّا محاسنه ومساوئه . لكنّنا ـ أحياناً وكجزء من خلق المتاعب لأنفسنا ـ لا نفكّر إلاّ بمساوئنا ومحاسن غيرنا . هنا ، ننسى أمرين : أنّ غيرنا له مساوئه أيضاً ، وأ نّه ربّما يتمنّى أن تكون له بعضُ محاسننا . وقد ننسى أيضاً ـ ونحن نتطلّع إلى ما في أيدي الآخرين ـ أنّ المحاسن مكتسبة أي مثلها مثل أي شيء آخر يمكن تحصيله بالتمرين والتدريب والجدّ والاجتهاد . فكما كان لغيرك أن يسعى ويكلّل مساعيه بالنجاح ، لكَ أنت أيضاً أن تفعل الشيء نفسه ، إذا سلكت الطريق نفسه ، وحملتَ الهمّة نفسها ، وآمنت بتوفيق الله مثله . وتسأل : ولِمَ هذا التفاوت بين الناس((1)) ؟ هذا التفاوت له أسباب كثيرة ، منها : ـ التفاوت في الإرادات والعزائم والهمم . ـ التفاوت في كم وحجم العقبات والصعوبات التي تواجه كلاًّ منّا . ـ التفاوت في درجة العلم والثقافة والمهارات . ـ التفاوت في تقدير قيمة الأشياء . ـ التفاوت في تحديد الآليات والوسائل الموصلة إلى الهدف . ـ التفاوت في تحديد الأهداف . ـ التفاوت في القرب أو البعد من الله سبحانه وتعالى . ولهذا التفاوت جانبان (ربّاني) و (ميداني) . فلقد أراد الله سبحانه وتعالى بحكمته أن يختلف الخلقُ والبشر في أشياء كثيرة حتى يتحقّق للبشرية الإثراء في هذا التنوّع والتعدّد والاختلاف . فلقد جعلنا شعوباً وقبائل ، وجعل الاختلاف في ألواننا وأجناسنا وألسنتنا ، مثلما جعل الاختلاف في طبيعة الأرض التي نعيش عليها ، والمياه التي نشربها ، والهواء الذي نتنفّسه . وقد يبدو في الظاهر أنّ هذا الاختلاف هو اختلاف تفاضل ، ولكنّه في واقع الأمر اختلاف رحمة وتعدّد من أجل خير عميم ، وقد ثبت علمياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً أنّ التعدّد والتنوّع ثراء . هل يحاسبنا الله على ما لم يعطنا ؟ هذا خلافُ العدالة تماماً ، ولذا فإنّه لا يحاسبنا ـ مثلاً ـ على أشكالنا وألواننا واختلاف ألسنتنا ، وإنّما يحاسبنا على ما انطوت عليه قلوبنا وعقولنا . هل التغيير ممكن ؟ نعم ، ممكن . فليست الولادة في أرض قاحلة قدراً لا يمكن للانسان أن يتخلّص منه ، وليس الجهل صفة ملازمة لا يمكن الفكاك منها ، وليس الفقر حالة مادية مكتوبة لا يقدر الانسان أن يحسّنها أو يتجاوزها . تقول أنّ العملية ليست ممكنة دائماً ، نقول نعم ، لأ نّه ليست الهمم واحدة فـ (على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ) كما يقول الشاعر . وقد تكون هناك عوامل وظروف قاهرة لكن تفاوت الإرادات هو العامل الأكبر في تمييز انسان عن انسان آخر ، أو شعب عن شعب آخر ، وهذا هو الجانب (الميداني) للتفاوت ، وقد أشرنا إلى بعض أسبابه العملية في المقدّمة . لكنّنا ـ في ظلّ التفاوت الأوّل والثاني ـ نرى أناساً لا يفهمون حقيقة التفاوت ، ويرجعون أسبابه إلى تصورات ذهنية خاطئة ، كأن يظنّوا ـ مثلاً ـ أنّ الله يحبّ صاحب النعمة ولا يحبّهم ، وأنّ نعمهُ سبحانه وتعالى لا تعرف الطريق إليهم ، وقد يقولون بوحي من هذه التصورات أنّ الله يمنح أو يرزق الأدرد ـ الذي بلا أسنان ـ جوزاً ، وما إلى ذلك . ولذا تراهم لا يطيقون رؤية صاحب النعمة ، وينقمون عليه ، ويتمنون أن يتجرّد من نعمته ويبقى أعزلَ منها . هؤلاء هم الذين نسمّيهم (الحسّاد) . فيومَ تقبّل الله قربان (هابيل) ولم يتقبّل قربان (قابيل) داخلَ الثاني شعورٌ طاغ بالغيرة القاتلة والحسد المشتعل المتصاعد كنار أكول ، فلم يتحمل رؤية أخيه أفضل منه ، أو أ نّه أقرب إلى الله تعالى منه ، فقرّر وبدافع من نيران الحسد في داخله أن ينتقم منه ، لأنّ رؤيته ماثلاً أمامه تذكّره بأ نّه أفضل منه ، فلم يهنأ له بال حتى أرداه قتيلاً . وحين رأى إخوة يوسف (عليه السلام) أنّ أباهم يتودّد لـ (يوسف) أكثر منهم لمزايا كثيرة كان يوسف يتمتع بها ، منها أ نّه رأى مناماً صادقاً فهم أبوه يعقوب من تأويله أ نّه سيكونُ ذا شأن عظيم . ورغم أنّ الأب طلب من الابن عدم التصريح بما رأى لإخوته ، لكنّهم قرأوا امتياز يوسف في وجه أبيهم ، فتحرّكوا ، أو قلْ حرّكهم الحسد العاصف إلى التخلّص من يوسف ليخلو لهم وجهُ أبيهم ، فلم يجدوا ، أو لم يفتح لهم الحسد من طريق سوى أن ينتقموا من يوسف البريء بإلقائه في البئر والادّعاء بأنّ الذئب قد اكله . هل (قابيل) و (إخوة يوسف) الحسّاد الوحيدون ؟ طبعاً لا ، فما أكثر الحسد وما أكثر الحاسدين .
|
|
|
قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|