اسم الكتاب: الحسد .. جذوره وعلاجه
قيمة (الغِبطة) :
(الغبطة) هي موقف معاكس لـ (الحسد) فالحسد سلبيّ والغبطة إيجابية ، وطالما أنّ الحديث عن العلاج ، فإنّنا نفرد لهذه الخطوة العلاجية حديثاً خاصاً . فإذا كان الحسد يعني تمنّي زوال نعمة الغير أو انتقالها إلى المحسود ، فإنّ الغبطة هي تمنّي نعمة مماثلة للنعمة التي يتمتع بها المحسود . فأنت حينما تتمنّى أن تكون لديك نعمة أو خصلة أو مزيّة من مزايا الشخص الآخر ، إنّما تضع في الحساب أنّ الله واسع الرزق واسع الرحمة ، وكما أنعم على أخيك أو صديقك أو أي إنسان آخر بنعمة ما ، فإنّه قادر على أن يمنّ عليك بمثلها ، ولا يُحدث ذلك نقصاً في خزائنه التي لا تنفد ، وهو عليه سهلٌ يسير . بينما الأمر في الحسد مختلف ، فأنت هناك تضيّق واسعاً فترى أنّ رحمة الله ورزقه ولطفه وعنايته محصورة بالشخص المحسود ، وحتى تنعم بها لا بدّ من زوالها منه وانتقالها إليك ، في حين أ نّك تعرف أنّ نعم الله لا تعدّ ولا تحصى وهي تفوق الكمّ البشريّ الهائل منذ الخليقة وحتى النشور . يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «قال الله عزّ وجلّ لموسى بن عمران : يا ابن عمران ! لا تحسدنّ الناس على ما آتيتهم من فضلي ولا تمدنّ عينيك إلى ذلك ولا تُتبعهُ نفسك ، فإنّ الحاسد ساخط لنعمي ، صادٌّ لقسمي الذي قسمتُ بين عبادي ، ومَنْ يكُ كذلك فلستُ منه وليس منِّي» . ولذا فإنّ وعي المُغتَبِط أو الغابِط الذي يتمنّى أن يكون له مثل ما لغيره دون أن يحيف أو يسيء الظن أو يمارس البغي ، وعيٌ إيمانيّ راجح يعبّر عن نفس زكيّة ، فهو لا يغلق الباب على نفسه في التمنّي على دائمِ الفضلِ على الناس والباسط يديه بالعطاء ، ولا ينظر نظراً شزراً إلى ما لدى الآخرين من نعم ، بل هو يتمنّى لهم أن ينعموا ويهنأوا فيما هم فيه ، وأن يزيد الله عليهم من فضله وبركاته ، ولذا تراه إذا رأى النعمة عند غيره ذكر الله ، وقال : «بسم الله ما شاء الله» يريد بذلك أنّ إرادة الله هي الحاكمة ونحن لا نملك إلاّ التسليم لها . إنّ المغتبط ـ على عكس الحاسد ـ يعيش النقاء الروحيّ الذي ينطلق من التعامل مع المُنعِم مباشرة وليس مع المُنعَمْ عليه ، لأ نّه يرى أنّ هذا ـ مهما كان غنياً ـ فهو فقير مثله ولولا فضل الله ونعمته عليه لما ظهرت عليه آثار النعمة (يا أ يُّها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد )(6) . ونخلص من ذلك ، إلى أنّ الاسلام يهتم بـ (الدافع) و (المحرّض) و (المحرّك) و (النيّة) فالدافع في الحسد شرير سواء على مستوى التفكير أو مستوى التخطيط للتدمير ، في حين أنّ الدافع في (الغبطة) خيّر في التفكير وفي إرادة الخير للذات وللغير .
|
|