اسم الكتاب: الغرور والتكبّر
اعرف قدر نفسك :
وبناءً على ما تقدّم ، فإنّ التقدير العادل والصحيح لملكات النفس ومزاياها وسجاياها ، يجنب الشبان والفتيات المبالغة في النظرة التضخيمية لأية خصلة أو ميزة علمية كانت أو عملية ، أو اعتبارها قيمة بحدّ ذاتها ، أو أنّها شيء فذ متفرد لا يتمتع به غيرهم ، وليس له القدرة على امتلاكه . وهذه هي دعوة الاسلام في التقدير السليم للأمور : «رحمَ الله امرأً عرف قدر نفسه» فلا هو يعطيها تقييماً منحازاً ومبالغاً فيه ، ولا هو يغمطها حقّها فيهبط بها إلى درجة الانسحاق ، ذلك لأنّ الأوّل (غرور) ، ولأنّ الثاني (استهانة) . ولذلك فإن قوله تعالى : (بل الانسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره )(1) يعني أنّ كلّ واحد منّا هو أعرف الناس بنفسه ، وأعلمهم بعيوبها ومحاسنها ، وأقدرهم على تشخيص نقاط ضعفها وقوّتها . فإذا أعطاها علامات فارقة وفائقة في الإيجابيات ، وقلّص أو هوّن من علامات السلب ، فهو ينظر نظرة رضا إليها ، بل نظرة تتجاوز الرضا إلى الغرور والتكبّر . أمّا إذا عكسنا ذلك ، فأعطينا للسلبيات درجة أعلى وأغمطنا أو بخسنا حقّ الإيجابيات فإنّنا نستهين بأقدار نفوسنا وننتقص منها ، وليس التواضع هو هذا وإنّما هو شعور ومعرفة بما لدى أحدنا من ملكات ومواهب ومزايا ، يقابله شعور آخر أن ذلك يستدعي خفض الجناح للناس وعدم التعالي عليهم ، كما هي السنابل المثقلة . وترتيباً على ذلك ، فإنّ الحالة الوسطى هي خير ، فمعرفة النفس بايجابياتها كما هي دون تفحيم ، ومعرفتها بسلبياتها دون توهين ، أي دون تغليب جانب على آخر ، هو الذي ينتج الشخصية المتوازنة وهي الشخصية الاسلامية التي تدعو المناهج التربوية إلى إيجادها .
|
|