اسم الكتاب: أدب الحـوار
منهـجان :
لا بدّ من التنبيه إلى أنّ الحوار رغم كونه أسلوباً حضارياً في التخاطب والتفاهم وتسوية الخلافات والصراعات وتنضيج الرؤى ، لكننا لا نلجأ إليه دائماً . فقد نعمد إلى استخدام القوة أو التهديد أو الشتائم أو الحاق الأذى المادي والمعنوي بالآخر لأ نّنا نعجز عن إقناعه بالحوار الهادئ المتزن السليم الذي يعبّر عن انسانية الانسان ، وعن تقديره لقيمة عقله وعقل غيره . وعلى هذا ، فالشاب أو الفتاة اللذان يمارسان الأسلوب الثاني في التعامل ، أي انّهما يستخدمان (أسلوب العنف) لا (أسلوب الحوار) قد يُتهمان أو يوصفان بأ نّهما همجيان ، أو متخلّفان ، أو انفعاليان . لقد كان أمام (قابيل) فرصة لأن يستخدم عقله ويحكّمه في النزاع الدائر بينه وبين أخيه ، وهو في الحقيقة نزاع من طرف واحد ، أي من طرف قابيل وحده . فلو حاوره وجادله بالتي هي أحسن ، فلعلّه يقرّ بالحقيقة التي يكشفها الحوار العقليّ ، لكنّه آثر استخدام المنهج الآخر واعتماد أسلوب العنف الذي أدّى إلى قتل أخيه . ولذا فقد ظهرت صورته أمامنا صورة الانسان الذي لا يتفاهم ولا يتحاور ولا يستخدم المنطق في علاج المشكلة التي نشبت بينه وبين أخيه . أمّا (هابيل) وبقطع النظر عن براءته وكونه الضحيّة التي تثير الألم في نفوسنا ، فإنّنا نحمل عنه صورة الانسان المتعقل الواعي والمحاور الذي لا يقابل العنف بالعنف (لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنِّي أخاف الله ربّ العالمين )(1) . أي أن هابيل كان يمتلك أسلوباً آخر في الاقناع والمحاججة وهو أسلوب الحوار . ولعلّنا لا نغالي إذا قلنا إنّ كثيراً من حالات المواجهة بالعنف ـ فردية كانت أو جماعية ـ كان يمكن تفاديها فيما لو اعتمد الحوار كأسلوب من أساليب الحسم((2)) . وإذن فإمّا (الحوار) كوسيلة إيجابية للوصول إلى عقل وقلب الآخر ، وأمّا الوسائل أو البدائل السلبية ، وهي العنف والشتائم والاتهامات والتراشق بالكلمات المبتذلة والنابية والجارحة سواء باللسان أو الكتابة ، أو بالغيبة باعتبارها نقداً سلبياً يعبّر عن عجز ، أو التكفير والتهميش والتسقيط والغاء الآخر،وهي وسائل تلبّد الأجواء بغيوم البغض ، وسموم الحقد والكراهية وتعميق الجراح . فيما الحوار والمحادثة والمناقشة والمجادلة بالتي هي أحسن ، تنقّي الأجواء وتصفّيها ، وكم أعاد الحوار المبني على أسس صحيحة المياه إلى مجاريها ، فرأب الصدع ، وردم هوّة الخلاف ، وجمع ما فرّقه ومزّقه العنف . وزبدة القول ، إنّ هناك منهجين أو منطقين ، منطق الحوار ومنطق القوّة ، وقد نحتاج الثاني أحياناً لتركيز الأوّل خاصّة مع الذين لا يفهمون إلاّ لغة القوّة ، والذين يعتبرون لغة الحوار لغة الضعف والهزيمة .
|
|