اسم الكتاب: أدب الحـوار
قنوات الحـوار :
للحوار قنوات مباشرة وغير مباشرة . والمباشر منها : اللقاء وجهاً لوجه ، وهو من صيغ الحوار الأكثر نفعاً لما يكتسبه الحوار من حرارة الجدية والتعاطي عن كثب . وهو قد يكون هادئاً عقلانياً وبذلك يمكن التوصل إلى معرفة الحقيقة من خلاله ، وقد يكون حاداً أو انفعالياً بحيث ينقلب إلى ملاسنة ، وبذلك يخرج عن معنى الحوار الجاد والهادف . ومنها (الندوة) وهي التي يحاور فيها الجمهور متحدثاً واحداً أو أكثر . وفائدة الندوات الحوارية أنّها تقيم جسراً بين المتحدثين وبين المشاركين ، فلا يكون كلام المحاضر أو المتحدث في الندوة نهائياً ، وإنّما هو يطرح رأيه والجمهور يطرحون آراءهم ، أي أن هناك دوراً مهماً للمداخلات والأسئلة مما يضفي على الموضوع محور الندوة إثراء لبعض الأفكار ، أو إعادة نظر في البعض الآخر ، وبالتالي فإنّ زمن الندوات ذات الطرف الواحد التي يتحدّث فيها الخطيب أو المحاضر ، ويكون دور الجمهور فيها دور المتلقّي السلبي ، قد ولّى وانقرض . فللمتحدث اليوم كلمته وللمستمع كلمته ، وقد يلتقيان وقد يفترقان .. والفيصل هو الحوار . ومنها (غرف الدردشة) ومقاهي الانترنيت والتي يدور فيها الحوار بين إثنين أو أكثر حول موضوع يتطارحونه ويبدي كل منهما وجهة نظره ويدافع عنها بما يشاء في حدود أدب الحوار المتعارف . وهذا اللون من الحوار مباشر وغير مباشر ، مباشر لأ نّه يجري في نفس اللحظة لكنّه لا يجري في نفس المكان ، وإن كان الجامع المشترك هو غرفة الدردشة . ومن منافعه أ نّه يتيح تقريب المسافات وإجراء الحوار مع أشخاص من مختلف أنحاء العالم . وأمّا الطرق غير المباشرة للحوار فهي النصوص المكتوبة ، كما في كتب المناظرات أو المراجعات أو الهوامش أو الردود أو التعليقات ، والفائدة منها أنّها يمكن توسيع دائرة الافادة منها حينما تطرح بين يدي جمهور القرّاء الذين يمثلون دور الحكم في ذلك . وقد تدخل الرسائل الشخصية أو الإخوانية التي تناقش موضوعاً ما في إطار هذا اللون من الحوار ، خاصة رسائل العتاب والنقد والمكاشفة . وبالنتيجة ، فالحوار حاجة أساسية ولا نقول عصرية ، فلقد اتّضح أنّ الحوار انطلق منذ فجر البشرية ، وإذا كانت بعض الشعوب والأمم قد تخلّت عنه فبسبب من تخلّفها وميلها إلى الجمود والتقوقع . وإلاّ فأنت حينما تقرأ قوله تعالى : (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم )(3) تفهم منها ثلاثة أمور مهمّة : 1 ـ التنوّع والتعددية ، فالبشر ليسوا نسخاً متكررة ، بل حتى الحديث الجاري اليوم عن إمكانية استنساخ الجنس البشري لا يمثل الوحدة العقلية والنفسية والعملية ، وإنّما الوحدة الشكلية الصورية ، وإلاّ فالتنوع بطبيعته إثراء وسعة . 2 ـ التعارف ، وحتى يتحقق الإثراء والسعة من عملية التنوع ، لا بدّ من عمليات تعارف واسعة النطاق من أهم معالمها التبادل المعرفي بين البشر ، ولا يتم ذلك إلاّ بالحوار ، وهذه مسألة حياتية تكاد تكون يومية ، فقبل أن تبدأ العمل مع أي شخص أو مؤسسة لا بدّ أن تكون فاتحة العهد بينك وبينها (الحوار) ، فهو الذي يعرّف كلاّ منكما بالآخر . 3 ـ الأفضلية ، أي الأرجحية بين الأشخاص والشعوب والأمم ، فالتنوع في الأفكار والممارسات يثري البشرية في آفاقها المتعددة ، والتعارف سبيل الإفادة من هذا التنوع ، لكنّ المعيار الأكبر((4)) للأفضلية بين شخص وشخص وأمّة وأمّة هو (التقوى) والإيمان بالله وامتثال إرادته .
|
|