اسم الكتاب: أدب الحـوار
ألـوان الحـوار :
إمّا أن يكون الحوار جادّاً وعقلانياً وهادئاً ونظيفاً وقاصداً ـ من قبل أطرافه المشاركة ـ للوصول إلى الحقيقة بغض النظر على يدي مَنْ ستنجلي ، وإلاّ فهو واحد من الحوارات السلبية التالية . فقد يكون الحوار (حوار الطرشان) أي المحاورة التي لا يفهم فيها المتحاوران بعضهما البعض . فمهما طال هذا اللون من الحوار فإنّه لا ينتهي إلى نتيجة حاسمة ، وإلاّ فهل رأيت أطرشين استطاعا أن يتحاورا بإيجابية ؟ نعم ، يمكن أن يتفاهما بالإشارات وهي لغة لا تعدّ بديلاً كافياً للغة الحيّة التي قوامها الكلمات ، لكنّ المراد بـ (حوار الطرشان) الكناية عن الحوار الكلامي الذي يصطدم بآذان مغلقة وقلوب مقفلة من قبل الأطراف المتحاورة كلّها . أرأيت ـ مثلاً ـ كيف يتهرّب شاب تحاوره في الالتزام الديني وضروراته الحياتية ، وايجاد حالة من الاستقامة لدى الانسان المتدين .. أرأيته كيف يغلق سمعه عن دليلك المقنع ، ليقول لك : الاستقامة يمكن أن تتحقق بلا حاجة إلى إلتزام ديني .. وإذا قلت له ، قد يكون ذلك ، ولكن مَنْ يضمن البقاء على الاستقامة ؟ فقد يقول لك متهرباً من الإجابة ، حدثني عن شيء آخر غير هذا .. الحياة تطورت وأنت لا تزال على أفكارك القديمة .. وإلى ما يجره مثل هذا الحوار الذي يشعر أحد الطرفين أنّ الآخر (أطرش) وإن كان يسمعه جيِّداً . وقد يكون الحوار (صراع ديكة) أي ملاسنة وتشاتماً وتلاطماً واحتداماً وتراشقاً بالنظرات الشزرة والتلويح بالأيدي ، وكلمات لا رابط بينها ، وخروجاً عن سياق الحوار إلى المهاترات . وهذا ليس من الحوار في شيء ، ولعلّ تعبير (ملاسنة) أصدق عليه ، ومثله الحوار الذي يشبه المصارعة أو الملاكمة ، فهو يجري داخل (حلبة) يفكّر كلّ من المتحاورين أن يسجّل فيها نقاط الغلبة على الآخر والانقضاض عليه في كلّ لحظة ، والانتصار لرأيه حتى ولو كان خاطئاً . وهذا أيضاً ليس من الحوار السليم ، وإنّما هو إبراز للعضلات الفكرية والثقافية والتظاهر أمام المستمعين بأنّ الأقوى هو الذي يردّ ردّاً مفحماً ، وليس الذي يقدّم أدلّة مقنعة . وقد يكون الحوار ترفياً أو تنظيرياً يتناول مسائل هامشية أو تافهة أو عفا عليها الدهر فلا هي بنت الساعة ولا بنت الساحة ، وقد تكون مما أشبع بحثاً ونقاشاً ، ولا يصب في خدمة أحد . ومثل هذا الحوار غير المسؤول ، أو حوار الثرثرة قد يكون جدلاً بيزنطياً ، أي عقيماً لا يجنى منه شيء ، وعادة ما تجري مثل هذه الحوارات في أوقات الاسترخاء والتخلّف . وقد يكون الحوار جادّاً لكنّه مبتور ، أي يجري في إطار نظري بحت ويغفل الجانب العملي التطبيقي ، فأنت قد تناقش في ضرورة إشراك الشباب والطلبة في الفعاليات الاجتماعية ، لكنّك لا تقدّم الآليات والصيغ المناسبة لهذا النوع من المشاركة ، وحتى يكون الحوار حواراً عملياً لا بدّ من استكماله أو إدارته في الجانبين النظري والعملي .
|
|