اسم الكتاب: مقومات الوعي والبصيرة
ما هي البصيرة ؟
هي هذه القدرة على الرؤية الصحيحة المتشكّلة من عقل الانسان وثقافته وتربيته وتجربته ودينه ، وهي ما نصطلح عليها اليوم بـ (الوعي) فقد يكون الانسان ذا بصر حادظ لكنه ذو بصيرة كليلة ضعيفة ، ولذا اعتبر القرآن أن رؤية البصيرة أهم بكثير من رؤية البصر وذلك في قوله تعالى : (فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور )(1) . وكما أ نّنا لا نستطيع أن نبصر في الظُلمة حيث تتشابه الأشياء ، أو إنّها تصبح أشباحاً لا يمكن تمييز بعضها عن بعض ، فكذلك إذا فقدنا البصيرة فإنّنا نتورّط في التشخيص الخاطئ للأشخاص وللأمور . وهذا هو الفرق بين انسان صاحب وعي وبصيرة ، وآخر عديم البصيرة . فالأوّل لا يقع ضحيّة الخداع والتغرير والتزوير ، والثاني عرضة لذلك كلّه . أمّا النموذج الآخر فهو الانسان العاقل الذي يعي الواقع ويدركه ويعرف الناس من حوله ، أي أنّ لديه القدرة على التمييز بين ما هو مستقيم وما هو منحرف ، وما هو عدل وما هو ظلم ، وما هو حق وما هو باطل ، فالخير منه مأمول لأ نّه مستقيم في فكره وفي عمله . النموذج الأوّل إذن هو النموذج السالب الذي لا يعطي للحياة شيئاً بل يتسبّب في المتاعب لنفسه ولغيره . والنموذج الثاني هو النموذج الموجب الذي يأخذ من الحياة ويعطيها ، وقد صوّر القرآن المائز بين الإثنين في قوله تعالى : (أفمن يهدي إلى الحقِّ أحقُّ أن يُتّبع أمّن لا يهدِّي إلاّ أن يهدى فما لكم كيف تحكمون )(2) . وفي قوله تعالى : (أفمن يمشي مكبّاً على وجهه أهدى أمّن يمشي سوياً على صراط مستقيم )(3) . إنّ الجواب على التساؤل القرآني واضح ، فالذي يمشي سوياً ببصره وبصيرته أهدى من المنكبّ على وجهه الذي لا ينتفع ببصره في المشيء ولا ببصيرته ، لأنّ السير على الطريق المستقيم لا يحتاج فقط إلى عينين مفتوحتين وإنّما إلى عقل مفتوح أيضاً ، أما رأيت لو أنّ السائق غفل عن الطريق وسترد بانتباهه إلى مكان آخر ، لم تنفعه عيناه في ضبط السير حتى يعود إلى وعيه ؟ وإذن فإنّ الاعتماد على البصر ـ حتى في الأمور البصرية ـ غير كاف ، فأنت حينما ترى قصراً أثرياً ترى منظره الخارجي ، أي طراز البناء وشكله وهندسته ، لكنّ البصيرة تتدخل لتنقلك إلى مَنْ بنوه ومَنْ كنوه لتحصل لديك حالة (الاعتبار) .
|
|