اسم الكتاب: التربية الجمالية
إستغلال الجمال :
من المؤسف ـ ونحن نتحدّث عن الجمال ـ أن نراه بضاعة يعرض في السـوق ممّا يجعل المرأة شيئاً من الأشياء أو سلعة من السلع ، بل يقدّمها المتاجرون بجسدها كدمية تحت عناوين مختلفة . فهي سكرتيرة منتخبة ضمن مواصفات شكلية أوّلاً ، وهي فتاة إعلان يراد تسويق البضاعة من خلال مفاتنها ، ولذا جاء في الأمثال المادية : «الجمال بائع ممتاز» ، وهي الصورة النصف عارية في صفحة غلاف أكثر من مجلّة يبتغي الناشر أن يروّج لمطبوعته من خلالها ، وهي فتاة استعراض وعارضة أزياء تختال بمشيتها لتكون فريسة الأنظار التي تتطلّع إليها ، وهي مضيّفة متبرّجة في الطائرة لتكون الضيافة مميّزة ، وهي بائعة في محل تجاري لجلب الزبائن ، وهي فنّانة تكشف من جسدها أكثر ممّا تستر . وأشدّ البلاء هو في هذه الصرعات المستوردة من الغرب فيما يسمّى بمباريات ملكات الجمال اللّواتي يعرضن أجسادهنّ للمسابقة في حفلات ماجنة خليعة تبث على الهواء مباشرة . والمعروف أنّ الجمال هو هبة الله لخلقه، وبالتالي فلا فضل لجميلة على جميلة أخرى في جمالها الظاهري، أي أ نّه ليس موضوعاً للمنافسة، وحتّى هذه التربية الجسدية للحصول على قوام رشيق وخصر نحيل ليست بالفضيلة التي يصعب الحصول عليها. ولعلّ الملفت في هذه المباريات أنّ القائمين عليها والمشاركات فيها قد انتبهوا إلى أنّ تسليط الضوء على اللحم البشري الأنثوي وحده لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد للجمال ، فراحوا يجرون المسابقات المتزامنة لاختبار الذكاء وسرعة البديهة ، وراحت المتسابقات يدلين بآرائهنّ ببعض القضايا التي تهمّ المجتمع والتربية والاعلام ، وأ نّهنّ يزمعن القيام ـ بعد فوزهنّ طبعاً ـ بتقديم بعض الخدمات في هذا الحقل أو ذاك ، وما ذاك إلاّ لشعورهنّ أنّ الشكل الجميل ـ مهما كان حظّه من الجمال ـ ليس كافياً ما لم ينطوِ أيضاً على جوهر جميل . إنّ استغلال الجمال في السوق التجارية المعاصرة ـ وتحت أي عنوان كان ـ ليس إلاّ شكلاً من أشكال المتاجرة بالجواري والرقيق في العصور المنطمرة ، ولو دعت المرأةُ أبعاد هذا الاستغلال البشع الذي يحطّم قيم الشخصية ولا ينظر إلى المرأة إلاّ من خلال مفاتنها ويعتبرها هي القيمة الاُولى والأخيرة لثارت لكرامتها وهجرت هذا الواقع الموبوء إلى غير رجعة . ولعلّ قراءة في أسباب اعتزال اللّواتي عملن في الوسط الفنّي تكشف عن حقيقة مهمّة وهي أنّ اعتزالهنّ جاء بعد تجـربة مريرة مع واقع قدّرن في لحظة وعي أ نّه يبتعد بهنّ عن طريق الهداية والشريعة التي وضعها الله للمسلمين منهاجاً، وأ نّهنّ بعد اعتزالهنّ يعشن حالة روحية ونفسية افتقدنها لفترة طويلة .
|
|