قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: مجالس الشباب
أنواع المجالس:
تجتمعون ـ أنت وأصدقاؤك ـ وتتحدّثون .. في فرص ما بين الحصص والفصول الدراسية .. وربما في بيت أحدكم .. أو في ناد، أو ملتقى شبابيّ أو طلابيّ، أو إخوانيّ عام. فكل فرصة للقاء مع الإخوان أو الأصدقاء أو الزملاء أو الأهل أو الأقرباء، ثمينة سواء للتداول في قضية أو شأن معيّن، أو حتى مجرد التزاور لتوطيد العلاقة، وطرح الهموم، ومطارحة الرأي، وادخال السرور على الآخر، ومسامرته، واشعاره بحبّك له .. وشعورك بقربك منه .. كلّ هذه الفرص لعقد مجالس الودّ والمصافاة، أو لمدارسة أمر من أمور الدنيا والآخرة، أو لطلب العلم، أو لأي غرض انساني أو معرفي أو عملي .. هي من أوثق فرص التفاعل الاجتماعي، وتمتين عرى الإيمان والمؤاخاة. تلك مجالسٌ .. يحبّها الله. ويحبّها رسوله. ويحبّها المؤمنون. وتلك مجالس نتمنّى أن نراك تحجز مكانك فيها حيث تعدّ ولا تفتقد .. قل لي أىّ مجلس جلست .. أقُل لك مَن أنت! إنّ من أطيب فرص الحياة وأهناها لقاء الأخوة والأصدقاء. ولأنّ لقاء الإخوان من الطيِّبات، جعل الله سبحانه وتعالى ذلك نعمة من نعمه السابغة في الجنّة: (إخواناً على سرر متقابلين ). فكلما تنعم بلقاء أخيك وصديقك وصفيّك في الدنيا، فتتناجيان وتتنادمان ويبث أحدكما للآخر همومه، ويتلقّى الآخر ذلك بآذان صاغية، فيسلّي صاحبه، ويخفّف عنه وطأة أحزانه وأشجانه، ويشاطره اللوعة إن كان ملتاعاً، ويشاركه الفرحة إن كان قرير العين مسروراً، فإن هذه الصورة من الأخوّة الخالصة سوف تنتقل بانتقالهما إلى الرفيق الأعلى، حيث يرتعان في بحبوحة النعيم الأبدي، سعيدين بصحبتهما وتعاشرهما لأنّ الله لم يفرّق بينهما في الدار الآخرة، كما كانا لا يفترقان في الدار الدنيا. أنس الشاب بالشاب أو الشبّان مثله، حاجة اجتماعية ماسّة. وأنس الفتاة بفتاة أو فتيات مثلها، حاجة لا تعوّض. ومجالس الشبان وإن تغيّر حالها ـ في عصر الاتصالات ـ فلم تعد ـ إلاّ في النادر ـ مباشرة وحيّة وحميمة كما كانت قبل هذا العصر، إلاّ أن هذا العصر لم يقضِ أو يشطب عليها تماماً، فمجالس الشبان تدور عبر شبكات الانترنيت ومقاهيه، ولا تظنّ أنّ زماناً سيأتي لتزول تلك المجالس العامرة. وقد يتزوج الشاب وتتزوج الفتاة، وتتغيّر في حياتهما أشياء كثيرة، لكنّهما لا يضحِّيان أو يفرطان بعلاقات إخوانية، ربطتهما عميقاً مع أصدقاء وصديقات أبقوا على رباط المودّة والصحبّة حتى الممات وثيقاً. نعم، قد نلتقي بأصدقاء وزملاء جدد، لكننا يستحيل أن ننسى إخواناً جمعتنا وإياهم أيام الحب، ومجالس الخير، وساحات العطاء. يقول علي (عليه السلام) : «من كرم المرء .. حفظه قديم إخوانه». وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاة زوجته الحبيبة (خديجة) (رض) إذا طبخ طعاماً أوصى بأن يقدّم منه لصديقات خديجة وفاءً لها وللصحبة الكريمة. وتمتد جسور الصحبة الطيِّبة من الآباء إلى الأبناء. ففي الحديث: «لا تقطع أودّاء أبيك فيطفأ نورُك». وفي آخر: «ينبغي للرجل أن يحفظ أصحاب أبيه، فإنّ برّه بهم برّه بوالديه». وهكذا تبقى الصحبة (حيّة) حتى إذا (مات) الأصحاب .. فما أحلاها وأروعها من قيمة إنسانية. وقد تكون للصداقة الجديدة نكهة معينة فـ (لكلّ جديد لذّة) إلاّ أنّ نكهة الصداقة القديمة خاصّة ومميزة، لأنّها تدلّ على عمق الرابطة بين الأخوين الصديقين، وإلاّ ما دامت طويلاً، ذلك لأنّ الأصدقاء أحد إثنين: (إخوان المكاشرة) الذين تضحك لهم ويضحكون لك، وتقضون وقتاً ممتعاً مع بعضكم البعض في اللهو والتسلية والمفاكهة ثم ينفرط المجلس، وقد لا يذكر هؤلاء بعضهم البعض إلاّ في أوقات السمر والمنادمة. و (إخوان المعاشرة) وهم الثقاة الذين يحزنون لحزنك كما يفرحون لفرحك، ويمحضونك النصيحة والإخلاص حاضراً كنت أو غائباً، والذين يمدّون لك يد المساعدة متى ما احتجت إلى إعانتهم وتعاونهم. فالمجالس الإخوانية ـ باختصار ـ (مغنم جسيم) كما جاء في الحديث الشريف: «لقاء الإخوان مغنمٌ جسيمٌ وإن قلّوا». كيف ذلك؟ ـ لأنّه من جهة يحقِّق أو يلبِّي حاجة اجتماعية للألفة والمعاشرة والتواصل مع الآخرين والإحساس بالقوّة. ـ ولأنّه يفيد في تطييب الخواطر وتهدئة النفوس المضطربة فيما لو أصابتها مصيبة، وتنادى الإخوان لتسلية وتصبير الأخ المنكوب. ـ ولأنّه ينفع في تبادل الآراء ووجهات النظر. ـ ولأنّه يغني الإخوة المجتمعين بالنصائح المتبادلة، والمقترحات التي تحلّ المشاكل، والتجارب التي يعيشونها. ـ ولأنّه ـ إن كان مجلس عبادة، أو علم، أو عمل، أو تواصي بالحق، أو تواصي بالصبر، وإرساء معاني الأخوة والمحبة والتعاون ـ مجلس يحبه الله ورسوله والمؤمنون، وترفرف عليه الملائكة بأجنحتها، ولا تنفك عنه حتى ينفضّ الاجتماع. وقد لا يجد أحدنا أباً ليفضي له بأسراره أو أمّاً يبثها شكواه، لكنّه يتخذ من صديقه وأخيه موضعاً لأسراره، وحقٌّ ما قاله أحد الشعراء: وليس كثيراً ألف خلٍّ وصاحب***وإنّ عدوّاً واحداً لكثيرُ! يمكن تقسيم المجالس الشبابية ـ من حيث طبيعتها ـ عدّة أقسام: أوّلاً: المجالس العابثة. ثانياً: مجالس الكفر والاستهزاء. ثالثاً: مجالس الريبة. رابعاً: مجلس الانتقاص من المؤمنين. خامساً: المجالس الممقوتة. سادساً: مجالس اللهو البريء. سابعاً: المجالس الجادّة. ويمكن التمييز بين هذه الأنواع من المجالس من خلال روايتين: الأولى: قال الحواريون لعيسى (عليه السلام) : مَن نجالس؟ فقال: «مَن يذكِّركم الله رؤيته، ويرغِّبكم في الآخرة عمله، ويزيد في منطقكم عمله». الثانية: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إذا رأيتم روضة من رياض الجنّة فارتعوا فيها». قيل: يا رسول الله! وما روضة الجنّة؟ فقال: «مجالس المؤمنين». وعلى ضوء هاتين الروايتين، يكون بإمكاننا أن نفرز المجلس العابث المسيء من المجلس الهادف الكريم، ذلك أنّك إذا عرفت ما هو المجلس الصالح، أمكنك تلقائياً أن تعرف المجلس غير الصالح. فالمجالس الصالحة التي تتوافر على الشروط التالية: 1 ـ المجالس التي تجمع طائفة من المؤمنين، وهذا هو قول عيسى (عليه السلام) : «مَن يذكِّركم الله رؤيته». وقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الصريح: «مجالس المؤمنين». 2 ـ المجالس التي ترغِّب بالعمل الصالح وبالآخرة وبما يرضي الله سبحانه وتعالى. 3 ـ المجالس التي يطلب فيها العلم والثقافة، واكتساب موهبة أو حرفة أو مهارة. 4 ـ المجالس الإخوانية الطاهرة التي سبق أن بيّنّا فوائدها في توطيد أواصر الألفة والمحبّة والتعاون على البرّ والتقوى. وسنأتي بشيء من التفصيل على كلّ نوع من أنواع هذه المجالس لتبيان فوائد وحسنات وفضائل الهادف الكريم النافع منها، ومضار ومساوئ المجالس البذيئة والمسيئة والعابثة.
|
|
|
قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|