اسم الكتاب: حمايـة البيـئة
الأخلاقية البيئية :
الأخلاق ثقافة أيضاً. و (الممنوع) و (المسموح) في القانون شبيه بـ (الحرام) و (الحلال) في الشريعة. والتعامل الأخلاقي ليس بين انسان وآخر فقط، بل حتى مع الكائنات الأخرى.. الكائنات الحيّة (حيوانات ونباتات) تحملُ بين جنبيها روحاً.. وهناك من علماء البيئة مَن يتحدّث عن أنّ النباتات كائنات تحسّ، أي أنّ لديها لوناً من الإحساس قد لا يشبه إحساسنا بالضبط، لكنّها تتعاطى ـ بشكل أو بآخر ـ مع المحيط من خلاله.. والذي يقطف وردة ليهديها إلى عزيز قد يقوم بعمل لا يعارضه عليه أحد، إلاّ الذين يحبّون أن يروا الورود والأزاهير ترفلُ على أغصانها.. لكنّه إذا قطفها وألقاها في الشارع عبثاً، ربّما يؤاخذ لأنّه لم يحترم هذا الكائن الحيّ الجميل.. أو لأنّه أزهق روحاً خضراء أو نفساً شفافة ومرهفة! المسؤولية الأخلاقية نحو البيئة أوسع دائرة.. إنّها تشمل الرفق بالحيوان أيضاً.. وفي ثقافتنا الاسلامية أدبٌ جمّ يحيط بالحيوان ويضع له حقوقاً يشدِّد في مراعاتها.. فهذه الكائنات أممٌ أمثالنا: (وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلاّ أممٌ أمثالكم )(الأنعام/ 38). وهي تسبِّحُ لله بطريقتها الخاصة: (وإن من شيء إلاّ يُسبِّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) (الإسراء/ 44). اللاّئحة الاسلامية لمراعاة البيئة الحيوانية تتضمّن المنع من الصيد، عبثاً ولهواً، فلا يجوز إزهاق روح الحيوان دون أكله أو الانتفاع به. في الحديث: «مَن قتل عصفوراً عبثاً عجّ إلى الله يوم القيامة، يقول: يا ربّ! إنّ فلاناً قتلني عبثاً ولم يقتلني منفعةً»! وتوجب التعامل بلطف مع الحيوان.. فلا تثقل ظهره بالأحمال الثقيلة فهو نفس حيّة وهو يشعر بالتعب أيضاً.. ورد في السيرة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أبصر ناقة معقولة (مربوطة) وعليها جهازها (حمولتها)، فقال: «أين صاحبها؟ مروه فليستعد للخصومة»!! لذا يتوجب سقي وإطعام الدابّة.. وإراحتها بين الحين والحين.. فعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ الله يحبّ الرفق ويُعين عليه، فإذا ركبتم الدابّة العجف (الهزيلة) فانزلوها منازلها، فإن كانت الأرض مجدبة فانجوا عليها (خلصوها من المشقة)، وإن كانت مخصبة فانزلوها منازلها». وكما للانسان حقوقه فللحيوان حقوقه أيضاً.. في الحديث: «للدابّة على صاحبها ستّ خصال: يعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مرّ به، ولا يضربها إلاّ على حقّ، ولا يحمِّلها ما لا تطيق، ولا يكلِّفها من السير إلاّ طاقتها، ولا يقف عليها أفراقاً ـ أي يعتليها قائماً ـ ». إنّها معاملة غاية في الانسانية، فأنت تتعامل مع نفس حيّة تجوع وتظمأ وتتألم وتتعب، ولذلك نهت أحاديث أخرى عن ضرب الدابّة على وجهها لأنّها تسبِّح بحمد الله. جاء في سيرة الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) انّه حجّ على ناقة أربعين حجّة ما قرعها بسوط!! فتأمّل!! وروي أنّ امرأة عذّبت هرّة ربطتها حتى ماتت فلم تطعمها ولم تسقها ولم ترسلها لتأكل من خشاش الأرض، في حين غُفرَ لامرأة مومس مرّت بكلب على رأس ركي (بئر) يلهث كاد يقتله العطش، فنزعت خفّها فأوثقتهُ بخمارها فنزعت له من الماء فغُفر لها بذلك!! هل تعلم أيضاً أنّ الاسلام منع من التحريش (المصارعة) بين البهائم، أي لم يسمح باغرائها بعضها بالبعض لتتصارع حدّ النزف الدمويّ أو الموت، كما في مصارعة الديكة، أو مصارعة الثيران حيث تُغمدُ في ظهورها الرماح التي تستشيطها غضباً وهياجاً في منظر أقلّ ما يُقال عنه أنّه لا إنسانيّ! ما أرقّ مشاعر الاسلام وأرهفها!!
|
|