منتدى الشباب

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب: العنف والسلام


التوظيف السلبيّ لمواهب الله:

لجنة التأليف ـ مؤسسة البلاغ .
لو سألكَ أحدهم: ما هي أوّل حادثة قتل ـ عن عمد وسبق اصرار ـ سجّلت على وجه الأرض؟
لا نظنّك تذهب إلى غير عملية قتل (قابيل) أخيه (هابيل) ابني آدم (عليه السلام) .
القصّةُ ـ كما يرويها على مسامعنا القرآن ـ كما يلي:
(واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحقّ إذ قَرَّبا قرباناً فتُقبِّل من أحدهما ولم يُتقبَّل من الآخر، قال: لأَقتُلنّك! قال: إنّما يتقبّل الله من المتقين * لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنِّي أخاف الله ربّ العالمين * إنِّي أُريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين * فطوَّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ) (المائدة/ 27 ـ 30).
* * *
أخوان اثنان.. لم يكن غيرهما من إخوة على سطح الأرض.. أحدهما مؤمن صالح.. والآخر خبيثٌ شرِّير.. تقدّما إلى الله تعالى بقربانين.. تقبّل اللهُ تعالى قربان (هابيل) ولم يتقبّل قربان (قابيل).. وليس بين الله وبين أحد قرابة.. اللهُ عادة لا يتقبّل إلاّ من المتقين.. لا يتقبّل إلاّ ما  كان حسناً وخالصاً لوجهه..
لا دخل لهابيل ـ البتة ـ في مسألة قبول قربانه.
الله تعالى هو الذي يقبل.. وهو الذي يرفض.
اشتعلت نارُ الحسد في قلبِ (قابيل).. قرّر الانتقام من أخيه (هابيل).. هكذا من دون ذنب أو جناية اقترفها، أو عدوان صدر عنه.
(هابيل) لفت نظر (قابيل) إلى حقيقة الأمر: القبول عند الله سبحانه مشروط بالإيمان والتقوى.. وليس عند الله محاباة لأحد.
(قابيل).. وفي سَورَة حقده وغضبه وحنقه وحسده يأبى أن يفتح مسامع قلبه وعقله لكلمات أخيه.. كان يصغي لشيء واحد فقط.. شيء أسود متصاعد كالدخان في داخله.. أعمى بصرَه فلم يعد يطيق أن يرى أخاه أفضل منزلةً منهُ عند الله..
استلّ (قابيل) ـ في فورة الحقد والانتقام ـ سكينه، والشرر يتطاير من عينيه المحمّرتين كجمرتين متقدتين.. والزبدُ يسيلُ من شدقيه.. ومرجلُ الحسد يغلي في صدره..
قال لأخيه (هابيل) الذي أدهشه هيجان الغضب في هيئة أخيه (قابيل): ليس لي إلاّ أن أقتلك!
قال (هابيل) مذكّراً إيّاه أنّه لا ذنب له فيما حصل: هذه إرادة الله وليست إرادتي، فإذا قرّرت قتلي فأنا لا أستسلمُ لانفعالاتي فاستلّ مثلك سكيناً لأقتلك.. فأنا أخافُ الله الذي حرّم قتلَ النفس المحرّمة.
(قابيل) هائج كالثور.. لا يرى سوى الدخان المتصاعد من أعماقه والذي يُغشي بصره، ولا يسمع سوى نداء الانتقام الصارخ في أذنيه: اقتلُه وتخلّص منه ليخلو لك وجه الحياة.
قال (هابيل) في محاولة أخيرة لإطفاء النار المضطرمة في صدر أخيه: إذا نفّذت تهديدك لي فستتحمّل ذنوبي أيضاً، لأنّك لا تمتلك عملاً صالحاً تعوّض به فعلتك الشنيعة.
(قابيل) سادرٌ في غيّه.. أطرش لا يسمع إلاّ صوتاً واحداً يغريه بالقتل والإفناء.. وأعمى لا يريد أن يرى إلاّ جثّة أخيه مضرّجة بالدم معفّرة بالتراب.
أطاع (قابيل) هواتف نفسه الشريرة.. ولبّى نداء الغريزة العمياء فأغمد السكين في صدر أخيه ليُلقيه جثة هامدة.
هذه هي أوّلُ جريمة قتل في التأريخ.
ما سببُها؟
الحسد والغيرة والحقد وما تعبِّر عنه من (حبّ الذات) و(الأنانية) و(التسلّط) وما تجرّه من غضب وانتقام وإفناء للآخر.
هذه هي أيضاً الأسباب أو الجذور الأولى للعنف!
القرآن لم يغادر مسرح الجريمة سريعاً، ولم يسدل الستار عند مشهد القتل ليترك لمشاعرنا أن تتعاطف ـ آنياً ـ مع الضحية البريء (هابيل).. وتُستشار ضدّ الجرم الجاني (قابيل) لمجرد رؤية الدماء تسيل من المجني عليه..
هناك.. ارتفع صوتُ السماءِ عالياً ليرنّ في مسامع الدهر كلّه والبشر أجمعهم: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل انّه مَن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل الناس جميعاً، ومَن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً ) (المائدة/ 32).
مع وقوع الجريمة الأولى.. صدر القانون الإلهيّ الصارم التالي:
قتل إنسان واحد =  قتل الناس أجمعين
إحياء نفس واحدة =  إحياء نفوس الناس كلّهم
ماذا يعني هذا؟
1 ـ الانسانية وحدة واحدة.
2 ـ كرامة الانسان وسلامته محترمة لا يجوز التعدّي والاعتداء عليها.. إلاّ إذا تحوّل إلى عنصر فساد.
3 ـ إنّ الذي تطوّع له نفسُه قتلَ انسان بريء، مرشّح أن يقترف ذلك ثانية وثالثةً وعاشرة.. بل سيكون مستعداً لإفناء الجنس البشريّ برمّته إذا قدّر له ذلك(()).
ماذا استخدم (قابيل) في جريمة اغتياله لأخيه (هابيل)؟
1 ـ غريزته.
2 ـ لسانه.
3 ـ يـده.
تعطّل (عقل) قابيل كلّيةً.. جمّده.. ألغاه.. شطب عليه.. وحينما يغيب عقلُ الانسان أو يُغيّب تحتل الغريزةُ والانفعالات الشيطانيةُ مكانه.
هما موجودان معاً دائماً..
(الغريزةُ) بمثابة الوحش الكاسر.. تفترسُ كلّ شيء أمامها.
(العقل) يلجمها.. يضبط حركتها.. فلا يدع زمامها يفلت.
غريـزةُ (قابيل) هي التي تحـكّمت بالموقف.. هيمنت عليه تماماً.. أمّا عقله فكان يغطُّ في نوم عميق.. راكداً.. مشلولاً.. طاقةً معطّلة.
لقد أطفأ (قابيل) نوراً  كان يمكن أن يستدلّ به طريقه..
(لسانهُ) هو الآخر نسي وظيفته الخيِّرة فراح يستخدم لغة التهديد والوعيد والقتل والانتقام.. (قال: لأقتلنّك ) !
(يدهُ) تنكّرت لمسؤوليتها، وخانت أمانتها، فبطشت بنفس بريئة من غير جُرم ارتكبتهُ..
اللسان واليد.. حياديان.
هما.. كأيّة آلة يمكن أن تستخدم في (الخير) وفي (الشرّ) الانسان هو الذي يسخِّر لسانه ويده في الأعمال الشريرة أو الأعمال الخيِّرة.
للعقل ـ وهو أفضل ما يمتاز به الانسان ـ استخدامات كثيرة.. كثيرة جداً.. كلّ إبداعات البشرية الحضارية خارجة من مصنع العقل..
هناك فئة من الناس منحرفة تُسيء استغلاله، وتحرفُ مؤشر بوصلته.. تستعملهُ في (الدهاء والمكر والتدمير والشيطنة).. وكلّ ما هو سلبيّ.
للّسان.. وظائفُ انسانية جمّة.. مهامٌّ خيِّرة وطيِّبة ونافعة لا يسع المجال لاستعراضها.. غيرَ أنّ هناك مَن يقصرُه ويحصرُه في وظائف هابطة: (السباب.. الشتائم.. اللعن.. البذاءات).
ولليد مئةُ وظيفة ووظيفة صالحة، فلماذا ـ مثلاً ـ تُستخدمُ في السرقةِ أو الضرب أو القتل، أو أي نوع من أنواع العنف؟!
مواهبُ الله كلّها (حياديّة)..
نحنُ الذين نُسيء استخدامها، أو توظيفها في غير ما أراد اللهُ لنا.. وهذا هو الفرق بين الانسان الطيِّب الصالح.. والآخر الخبيث الشرير.
هذا هو الفرق بين (شاكر) لأنعُم الله.. وبين (كافر) بها.
هذا هو الفرق..
بين (قابيل) وبين (هابيل)(()).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com